
إن ما بدأ، عمدًا أو سهوًا، من تغييب أو تهميش لمقاطعة تيشيت في افتتاح الموسم الثقافي بعاصمة ولاية تكانت، تجكجة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تفصيل بروتوكولي عابر؛ لأن تيشيت ليست مقاطعة عادية في الجغرافيا الموريتانية، بل هي صفحة حية من تاريخ البلاد وذاكرتها الحضارية. ومن هنا يأتي القلق: فالتاريخ يعلمنا أن التراث إذا لم تحمه الأجيال والمؤسسات في الوقت المناسب، قد نفقد منه ما لا يمكن استعادته. وتجكجة نفسها، المدينة العريقة التي تأسست نحو سنة 1660م، تمثل نموذجًا حضاريًا مهمًا في تكانت؛ فقد نشأت كقصر وواحة، وأصبحت ملتقى لطرق القوافل القادمة من تيشيت ووادان وشنقيط ومناطق نهر السنغال وتمبكتو. وقد أُنشئت لاحقًا جمعية للمحافظة على حيها القديم وتراثها العمراني، وهو في حد ذاته دليل على أن حماية الذاكرة أصبحت ضرورة لا ترفًا. (Heritage Portal)
وكذلك أطار، عاصمة آدرار، التي يرجع تأسيسها إلى سنة 1674م، مدينة تاريخية عريقة نشأت في قلب بيئة واحية وتجارية وعلمية، وظلت محطة مهمة على طرق القوافل الصحراوية.
*أما تيشيت، فالحكاية أقدم بكثير.* فهي واحدة من *القصور الموريتانية القديمة الأربع المصنفة تراثًا عالميًا إلى جانب وادان وشنقيط وولاتة.* وتؤكد اليونسكو أن هذه الحواضر تعود نشأتها إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وأنها قامت لخدمة طرق التجارة العابرة للصحراء، ثم تحولت إلى مراكز للتجارة والعلم والثقافة الإسلامية. كما حافظت على نسيج عمراني فريد من البيوت الحجرية والأزقة والمساجد ذات المآذن المربعة. وقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1996. (UNESCO World Heritage Centre)
ولهذا فإن تيشيت لا تحتاج اليوم إلى مجرد إدراج اسمها في مهرجان أو مناسبة؛ بل تحتاج إلى سياسة وطنية متكاملة لحمايتها وإعادة الحياة إليها. فمسجدها العتيق، وحيها القديم، ومخطوطاتها، وعمارتها الحجرية، وأدوات الحياة التقليدية التي ما زال بعضها محفوظًا، ومحيطها الأثري الممتد في ظهر تيشيت وآقريجيت، كلها تجعل منها متحفًا تاريخيًا مفتوحًا، لا يخص أهل تيشيت وحدهم ولا أهل تكانت وحدهم، وإنما يخص موريتانيا والإنسانية جمعاء. والخطر الحقيقي على تيشيت ليس فقط أن يُهدم حجر؛ بل أن تُهمل المدينة حتى يهدم الزمن ما لم تهدمه الأيدي.
ومن هنا ينبغي أن يكون الدرس واضحًا: *ما فُقد من معالم المدن التاريخية الأخرى*، أو تعرض للتغيير والإهمال، يجب *ألا يتكرر في تيشيت*. والحماية المطلوبة لا تعني تجميد المدينة وتحويلها إلى أطلال، وإنما *الجمع بين صيانة التراث وتنمية الإنسان وفك العزلة وخلق اقتصاد سياحي وثقافي مستدام.* إن تيشيت*، بما تملكه من تاريخ وموقع ومياه ومحيط طبيعي وأثري، مؤهلة لأن تصبح عاصمة ثقافية وسياحية كبرى لتكانت، وقطبًا وطنيًا للسياحة التاريخية والأثرية، بل إن التفكير مستقبلاً في تعزيز مكانتها الإدارية حق مشروع يمكن مناقشته في إطار دراسات موضوعية للسكان والجغرافيا والأمن والتنمية.*
لكن البداية أكثر إلحاحًا وواقعية: فك العزلة عن تيشيت.
فالمدينة المصنفة عالميًا لا ينبغي أن تبقى معزولة عن الدورة الاقتصادية والسياحية الوطنية. والطريق إليها ليس مجرد إسفلت؛ إنه طريق إلى جزء من تاريخ موريتانيا، ووسيلة لحماية السكان، وتشجيع السياحة، واستقطاب الباحثين، وتثمين المخطوطات والآثار، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحضور الإداري والأمني للدولة في منطقة ذات موقع جغرافي مهم.
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى وزارات الثقافة والسياحة والتجهيز والنقل والداخلية، وإلى المجلس الجهوي والمنتخبين، واضحة:
*لا تجعلوا تيشيت تنتظر حتى نفقد جزءًا من ذاكرتها ثم نؤسس جمعية لإنقاذ ما بقي منها. احموا المدينة وهي لا تزال تحتفظ بمسجدها، وحجارتها، وأزقتها، ومخطوطاتها، وذاكرة أهلها. فتيشيت ليست مطالبة بأن تثبت أنها مدينة تاريخية؛ التاريخ أثبت ذلك منذ قرون، واليونسكو وثقته للعالم منذ ثلاثين عامًا تقريبًا. (UNESCO World Heritage Centre)*. وإذا كانت تجكجة قد تأسست في القرن السابع عشر، وأطار سنة 1674م، *فإن تيشيت تحمل في عمرانها المعروف ذاكرة تعود إلى القرون الوسطى، فيما يكشف محيط ظهر تيشيت الأثري عن طبقات حضارية أقدم بكثير.*
إنصاف تيشيت إذن ليس مجاملة لمقاطعة من مقاطعات تكانت، بل وفاء لذاكرة موريتانيا نفسها. تيشيت لا تطلب امتيازًا… *تيشيت تطلب أن نحمي للتاريخ ما تركه التاريخ لنا.*
*مقاطعة تيشيت مركز لخشب : العمدة محمد المختار بن ابنيجاره.*




