لعصابة تستعيد دورها السياسي.. ورسالة ولد بون: من التهدئة إلى بناء المستقبل

سبت, 08/15/2026 - 18:43

في مشهد سياسي لافت، ترأس منسق حزب الإنصاف على مستوى ولاية لعصابة، السيد سيد محمد ولد بون، مهرجاناً سياسياً حاشداً جمع مختلف أطر الحزب وقياداته ووجهائه وأصحاب الرأي فيه، في رسالة بدت واضحة في مضمونها ودلالاتها: لعصابة مطالبة بأن تكون حاضرة بقوة في صناعة المستقبل السياسي للبلاد، لا مجرد متلقية للأحداث.
اللقاء، الذي انعقد عشية انطلاق مهرجان الخريف، حمل في طياته بعداً سياسياً وتنظيمياً، لكنه تجاوز حدود التعبئة الحزبية التقليدية إلى استحضار التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً ما يتعلق بخيار التهدئة السياسية، وتكريس ثقافة الحوار، وإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المشهد الوطني.
السيدة الأولى.. حضور اجتماعي يتجاوز البروتوكول
ولم يغب عن كلمة المنسق الحديث عن مهرجان الخريف، الذي ينطلق برعاية السيدة الأولى، الدكتورة مريم بنت محمد فاضل ولد الداه، معتبراً أن حضورها يمثل قيمة مضافة للمناسبة، بالنظر إلى خصوصية حضورها في المجال الاجتماعي والخيري، وخاصة في القضايا المرتبطة بالمرأة والطفل، وبالأطفال ذوي الخصوصية، وفي مقدمتها قضايا التوحد.
وهنا تكمن إحدى الرسائل المهمة التي حملها اللقاء: أن العمل العام لا يختزل في السياسة وحدها، وأن الحضور الوطني للسيدة الأولى يمكن أن يشكل رافعة للقضايا الاجتماعية والإنسانية التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والتعريف والمواكبة.

التهدئة.. خيار سياسي وليس شعاراً

ولد بون توقف مطولاً عند ما وصفه بالمسار الذي أرساه رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، منذ وصوله إلى السلطة، والقائم على التهدئة والتصالح والحوار، باعتبارها أدوات لبناء دولة مستقرة وقادرة على استيعاب الاختلاف.
فموريتانيا، كما يفهم من خطاب المنسق، لم تعد بحاجة إلى سياسة تقوم على التصعيد الدائم، ولا إلى تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية، وإنما إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف بالآخر، والاحتكام إلى المؤسسات، وتوسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار.
وفي هذا السياق، يأتي الحديث عن الحوار السياسي المرتقب، بعد موافقة مختلف أطياف المشهد السياسي، باعتباره محطة جديدة في مسار سياسي يراد له أن يكون جامعاً، وأن يفتح الباب أمام نقاش هادئ حول مستقبل البلاد وتحدياتها وأولوياتها.
مشروع جامع يتجاوز منطق الأغلبية والمعارضة
الرسالة الأبرز في خطاب ولد بون كانت التأكيد على أن المشروع الذي يقوده رئيس الجمهورية ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني جامع، لا إلى مجرد مشروع انتخابي أو حزبي.
فاستقرار الدول لا يبنى بالأغلبية وحدها، ولا بالمعارضة وحدها، وإنما بقدرة الجميع على إيجاد أرضية مشتركة تحفظ للدولة هيبتها، وللمؤسسات مكانتها، وللمواطن حقه في المشاركة والتعبير.
ومن هنا جاءت الإشارة إلى دعوة رئيس الجمهورية إلى ترسيخ النظام الديمقراطي، وتطوير الممارسة السياسية، وإعطاء الحوار مكانته كوسيلة لإدارة الاختلاف، وهي خيارات لا تكتمل إلا بتحويلها إلى ممارسة يومية داخل الأحزاب والمؤسسات والمجتمع.

لعصابة أمام امتحان جديد

لكن أهم ما في اجتماع الإنصاف بولاية لعصابة هو الرسالة التي وجهها ولد بون إلى أبناء الولاية، حين دعاهم إلى أخذ دورهم في المساهمة في مستقبل البلاد.
ولعصابة ليست ولاية هامشية في المعادلة الوطنية؛ فهي تمتلك رصيداً بشرياً وسياسياً وثقافياً مهماً، وتضم نخبة واسعة من الأطر والمنتخبين والفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
والتحدي الحقيقي أمام هذه النخبة اليوم هو الانتقال من مجرد الحضور في المناسبات السياسية إلى المساهمة الفعلية في صياغة الأفكار والبرامج والسياسات الوطنية، والدفاع عن مصالح الولاية ضمن رؤية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة.

اجتماع يحمل أكثر من رسالة

حضور الوزراء والأطر والأعيان وقيادات حزب الإنصاف في هذا اللقاء أعطاه ثقلاً سياسياً وتنظيمياً واضحاً، لكنه في الوقت ذاته وضع أمام قيادة الحزب مسؤولية أكبر: تحويل هذا الحضور الكبير إلى عمل سياسي منظم، وإلى تواصل دائم مع المواطنين، وإلى مساهمة حقيقية في دعم مسار الإصلاح والاستقرار.
فالأحزاب لا تقاس فقط بعدد الحاضرين في مهرجاناتها، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتأطير المواطنين، وتجديد خطابها، وفتح قنوات التواصل مع المجتمع، وتحويل التوجيهات السياسية إلى ممارسة مؤسسية.

الخلاصة

إن مهرجان الإنصاف في لعصابة، عشية مهرجان الخريف، يمكن قراءته باعتباره أكثر من تجمع حزبي عابر. إنه محاولة لإعادة ترتيب الحضور السياسي للولاية، وربط العمل الحزبي بالتحولات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها التهدئة والحوار والتصالح وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
ورسالة ولد بون تبدو واضحة: موريتانيا تدخل مرحلة تحتاج فيها إلى التوافق أكثر من الاستقطاب، وإلى الحوار أكثر من الخصومة، وإلى الكفاءات أكثر من الشعارات.
أما لعصابة، فعليها أن تقرأ المرحلة جيداً، وأن تنتقل من موقع المتابع إلى موقع الشريك، وأن تجعل من رصيدها البشري والسياسي قوة اقتراح حقيقية في مشروع بناء موريتانيا أكثر استقراراً وتماسكاً وديمقراطية.
فالمستقبل، في النهاية، لن تصنعه كثرة الشعارات، وإنما تصنعه القدرة على جمع الناس حول مشروع وطني جامع، وتحويل التهدئة إلى ثقافة، والحوار إلى ممارسة، والسياسة إلى خدمة للمواطن والدولة.