
لم تعد الدعوة إلى مأمورية رئاسية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فكرة تُطرح من صوت منفرد في المشهد السياسي الموريتاني، كما كانت في بداياتها، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى نقاش سياسي متصاعد، دخلته شخصيات وفاعلون من داخل الأغلبية، وأثار في المقابل مواقف مؤيدة ورافضة.
لكن قبل أن تتكاثر الأصوات التي تتحدث اليوم عن المأمورية الثالثة، كان هناك رجل اختار أن يقولها مبكراً وبصوت واضح: أحمدو ولد اياهي.
فولد اياهي لم ينتظر أن تصبح الفكرة موضوعاً متداولاً، ولم يطرحها في لحظة بدا فيها الحديث عنها أقل كلفة سياسية، بل جعل منها موقفاً معلناً ودافع عنه في الساحة العامة، مستنداً، حسب ما كان يعلنه، إلى ما لمسه من رغبة لدى المواطنين، وإلى اعتقاده بأن استمرار المسار الذي بدأه الرئيس يمكن أن يكون ضرورة للحفاظ على ما تحقق من إنجازات.
وقد عُرف ولد اياهي أصلاً بدعوته المبكرة إلى مأمورية ثالثة في السياق السياسي السابق، حين أطلق حملة للمطالبة بها، مبرراً موقفه بفكرة الحفاظ على المسار التنموي ومصلحة البلاد.
واليوم، تبدو الفكرة التي ظل يرددها ولد اياهي وكأنها انتقلت من مرحلة الصوت المنفرد إلى مرحلة النقاش العام.
فما نراه الآن من دعوات متتالية، وإن اختلفت أسماء أصحابها وطريقة تقديمها، يلتقي في جوهره مع الفكرة التي دافع عنها ولد اياهي: أن هناك، في نظر أصحاب هذه الدعوات، حاجة إلى استمرار الرئيس في قيادة البلاد من أجل استكمال ما يعتبرونه مساراً من الإنجازات والمشاريع والسياسات التي بدأت خلال مأموريتين.
ولعل المفارقة اللافتة أن ولد اياهي كان أكثر صراحة في التعبير عن موقفه. لم يحتج إلى كثير من المقدمات، ولم يختبئ خلف العبارات الملتبسة، بل وضع الفكرة أمام الرأي العام كما يراها، وربطها بما قال إنه مطلب شعبي وبضرورة المحافظة على المكتسبات.
أما بعض الدعوات الحالية، فتبدو أكثر حذراً؛ تُطرح أحياناً على استحياء، أو في صورة قراءة للمشهد، أو باعتبارها مجرد نقل لما يُقال في الشارع، قبل أن تنتهي عملياً إلى السؤال نفسه: لماذا لا يستمر الرئيس في الحكم؟
وهنا تبرز قيمة التذكير بموقف ولد اياهي، ليس بالضرورة باعتباره صاحب القرار في هذا النقاش، وإنما باعتباره أحد الذين سبقوا إلى طرح الفكرة دون انتظار أن تصبح مألوفة أو قابلة للتداول السياسي الواسع.
لقد كان ولد اياهي، في هذه المسألة تحديداً، صاحب موقف واضح قبل أن يصبح للمأمورية الثالثة دعاة متعددون.
واليوم، ومع اتساع دائرة المتحدثين عنها، يمكن القول إن الفكرة التي بدت في وقت من الأوقات وكأنها رأي شخصي منفرد، أصبحت موضوعاً حاضراً في النقاش السياسي الوطني. وقد تناولت وسائل إعلام موريتانية حديثاً عودة اسم ولد اياهي إلى الواجهة من بوابة هذا الملف، معتبرة أنه ظل يدافع عن الفكرة مستنداً إلى ما يقول إنها قناعة شعبية لمسها خلال مواكبته للزيارات الرئاسية في أنحاء البلاد.
وبعيداً عن الموقف القانوني والدستوري من المأمورية الثالثة، وهو نقاش قائم بذاته وله مؤيدوه ومعارضوه، فإن التطور السياسي في حد ذاته يستحق القراءة: فكرة بدأت بصوت واحد، أصبحت اليوم أصواتاً متعددة.
وبين الأمس واليوم، يبقى أحمدو ولد اياهي صاحب أفضلية زمنية في هذا النقاش؛ فقد قالها حين كان من السهل أن تُحسب عليه، بينما يقولها آخرون اليوم بعدما أصبحت الفكرة أكثر حضوراً في الساحة السياسية.
وربما يكون هذا هو الفارق الأوضح بين ولد اياهي وبعض دعاة المأمورية الثالثة الجدد: هو لم ينتظر أن تتكاثر الأصوات حتى يتحدث، بل تحدث أولاً، ثم تكاثرت الأصوات من بعده.




