
(مقال استشرافي في الاقتصاد السياسي)
إيران بين الانهيار الاقتصادي والنجاة من النبذ الآميركي
تقريب:
أعلنت آميركا عن إجراء غير مسبوق تجاه إيران هو "النبذ الاقتصادي".
وهذا العنوان مرعب مثل كل عناوين الحرب الجنونية التي هندسها وصاغها النتن.. ياهو ونفذها اترامب بكل فصولها الخالية من أية حبكة واضحة، مثل: "الغضب الملحمي"، و " الأسد الناهض"، و "زئير الأسد".
ولعل هذه العناوين المرعبة قبل أن تنفذ أخذت مداها عند المتلقين ابتداء؛ لكنها فقدت شحنة رعبها بعد تنفيذها، وأصبحت مدعاة لخيبة أمل المناصرين وأضحوكة للمراقبين.. وهو ما خفف وقع ورنين العنوان الجديد: "النبذ أو الإنزال الاقتصادي".
تأصيل حالة
في علم النفس التحليلي الحديث مفهوم يسمى "التعويض"، وخلاصته: أن يعوض الإنسان سلوكيا عن إشباع ما يبغيه بحيلة نفسية توفر له إشباعا بديلا عوض الإشباع الذي عجز عن تلبيته.
يكون هذا التعويض فعليا ورمزيا، و يستخدم صاحبه لغة الجسد والكلام بمبالغة زائدة على المعتاد تسترا على العجز الأصلي..
ويبدو أن هذه هي حالة اتراهو ذي الوجهين إذ يعاني من ازدحام وتوارد هذه اللغة المزدوجة بشكل متفاقم.
ثمة أدلة وقرائن على ذلك في قول النتن.. ياهو اليوم: "إنه سيعيد إيران إلى عصر الظلام"، وهو يلحد بذلك إلى رمز الظلام مقابل النور في الرؤية المانوية التي هي عقيدة قديمة للحضارة الفارسية قبل الإسلام. قصدها النتن.. لزيادة جرعة الرعب لاشعوريا لدى الإيرانيين.
لكن التجربة علمتنا حتى الآن خلال هذه الحرب أن الإعلانات إياها من جنس "تعمارْ الشدوگ" الشائع في مصطلحاتنا المحلية. ذلك أن الأمور لا تجري حسب إرادة اتراهو رغم ما بذله من جهد وما اهتدى إليه من عنف.
مما يعني عند المراقب الجاد أن الأمر يتعلق بآلية تعويض نفسية بحتة، وعلى نحو استعراضي سلبي.
هذا لا يعني طبعا أن الأذية لم تعد متاحة لتراهو، لكنه يعني أن لها ثمنا يحسب له حسابه، ويجعل الإقدام عليه مدعاة للتريث.
أحلام تراهو بين الواقع والطموح
إلى أي حد يستطيع اتراهو إنجاز توعداته الفلكية لإيران؟
وهل ستولد الحاجة في إيران العمل بما أدعوه "مهرب الأنفاق الاقتصادية السياسية"؟
1- التوعد بالنبذ الاقتصادي:
كما توقعت في مقال سابق بدأت معالم رفض روسي وصيني للنبذ الآميركي لإيران. ولم تحصل آميركا من عشر دول فاعلة في المنطقة على ماتريده لأن ذلك يمس اقتصاد تلك الدول، أو موقعها الاستراتيجي، أو مصالحها الإقليمية أو الدولية. وهذه الدول كتلة اقتصادية معتبرة تمثل ما يربو على 40%من الكتلة الاقتصادية العالمية.
ولكون هذه الدول محادة لإيران أو قريبة منها فلهذا الموقف تأثيره القوي على إحكام الحصار القاتل كما أراد منه اترامب والنتن..معا.
كيف ذلك؟ سنرى.
2- أما شعار "إعادة إيران إلى الظلام"، فهو أمر فيه نظر. ذلك أنه إذا كانت قوة إيران العسكرية قد تضررت كثيرا من الحرب، فإن اتراهو بوجهيه قد تضرر كذلك تضررا كبيرا. وما بلغه الكل من جهد رسم حدود القوة لدى كل الأطراف. ولم تعد المزايدة ممكنة على أحد. وبالتالي فإن اتراهو لا يستطيع إعادة إيران إلى الظلام إلا باستخدام أسلحة ذرية مثلا. وهو أمر تترتب عليه كوارث لا حدود لها. ولا يجد أذنا صاغية من الجيش الآميركي الذي أصبح يجر بأهدابه إلى حرب لا فرس له فيها ولا حمار.
وبالتالي فتهديد النتن لإيران من جنس الكلام التعويضي الأجوف.
يبقى النبذ الاقتصادي الذي سيرتكز على الحيلولة دون بيع النفط الإيراني، وهو منحى واضح نظريا، لكن تطبيقه صعب لسببين:
-الأول: حاجة دول كبرى إلى النفط الإيراني، وصعوبة تعويضه في ظروف كهذه من دول الخليج. بناء على حصار هرمز، وإمكانية حصار باب المندب.
-الثاني: إمكانية تحور الحصار الآميركي لإيران إلى حرب تدمير شامل للبنية التحتية النفطية في الخليج كله.
إن المشهد معقد ومترابط بحيث لا يمكن حل مكون منه إلا بحل المكونات الأخرى.
فهل لإيران منجاة من الخنق الاقتصادي الموعود؟
الأنفاق الاقاصادية السياسية:
أرى -من خلال آلية تفكير جديدة ولدها القهر والاحتلال والهيمنة في الشرق الأوسط- أن ثمة حلا ابتدعته كتلة ما يطلق عليه المقاومة في الشرق الأوسط، فقد ابتدعت طريقة وهي استخدام باطن الأرض مقابل ظاهرها المكشوف للاحتلال والقوى القاهرة المؤيدة له غربيا.
هذا السلاح الجديد في المنطقة الذي يبدو أنه كان فعالا للغاية اعتمد في إيران، وغز.ة، وجنوب لبنان ولدى الحوثيين،.
هذه الأنفاق طريقة تفكير وحل من الحلول، تدل على وعي يمكن أن نسميه وعي الأنفاق. ويمكن تعميمه من طرف أصحابه في مجالات النزاع أيا كانت طبيعتها.
وأتصور أن إيران ستستخدمه في الالتفاف على النبذ الآميركي. فتنشئ أنفاقا اقتصادية وسياسية:
ومن مظان ذلك:
1-نفق: "علي وعلى أعدائي يا رب"، بحيث يحرم الكل من تصدير النفط. ولو اقتضى الأمر حربا مشتقة عسكرية.
2- نفق المقايضة بالعملات المحلية وشبهها أو بالمواد، بدل استخدام الدولار بحيث يتم استيراد الاحتياجات مقابل صادرات إيرانية من أي نوع وبأية طريقة.
3- نفق الصناعة التحويلية وغيرها محليا، من أجل تحقيق اكتفاء أو انكفاء على الداخل. ودولة تملك الطاقة يسهل عليها هذا الانكفاء.
4- النفق السياسي. ولهذا النفق أهميته الاستراتيجية رغم النفور الحالي منه ويتمثل في فتح قنوات جادة للتواصل مع كل الجيران، وطمأنتهم إلى أن العلاقات البينية هي التي ستحل إشكال الأزمة الحالية وغيرها.
ويبدأ هذا النفق بالتخلي الإيراني عن إيذاء الجيران الخليجيين خاصة. و إن كان هذا النفق يتناقض مع قصف هذه البلدان في كل مرة قصفت فيها آميركا إيران.
لكنني أتصور أن موقفا جادا من دول الخليج تجاه الحضور العسكري الآميركي الذي لاجدوى منه لهذه البلدان، هو الذي سيفتح الطرف الثاني من هذا النفق الاستراتيجي الذي يخشاه اتراهو خشيته من السقوط في حساب الانتخابات الداهمة .
ولابد لإيران في هذه الحالة أن تضحي في سبيل حفر هذا النفق الحيوي لأنه من أسباب نجاتها، فهي لا تستطيع الاستغناء عن جيرانها العرب، كما أنهم لايستطيعون الاستغناء عنها.
فليحفر إذن، أهل المنطقة أنفاق التواصل بينهم مراعاة لمصالحهم السياسية وغيرها، كما حفرت أنفاق قبلها في المنطقة أدت إلى تغير جذري واستراتيجي في موازين القوى بالمنطقة.




