تعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة الفكر الإرهابي بهدي القرآن وقيم السلام حتى لا تتكرر جريمة كنيسة الكرك بقلم. د. هاشم الكيلاني

سبت, 10/24/2026 - 08:17

 

إنّ الجريمة الإرهابية البشعة التي شهدتها الكرك، باستهداف إخواننا من عشيرة الهلسة أثناء تشييع جنازة في كنيسة حمود، ليست اعتداءً على أشخاص أبرياء فحسب، بل هي اعتداء على حرمة الإنسان، وقدسية دور العبادة، وقيم التعايش والمحبة التي تجمع أبناء الأردن مسلمين ومسيحيين. رحم الله الشهداء، وشفى المصابين، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.

إنّنا لا نتهم الإسلام بجرائم يرتكبها أصحاب الفكر المنحرف، بل نتهم كل من يوظف الدين لتبرير القتل والإرهاب، ويستبيح دماء الأبرياء، وينتهك حرمة المساجد والكنائس. فالمجرم لا يمثل إلا نفسه وفكره المنحرف، ولا يجوز أن يُحمَّل دينٌ كامل مسؤولية جريمة ارتكبها من خالف قيمه ومبادئه.

لقد وضع القرآن الكريم قاعدة إنسانية واضحة في تحريم الاعتداء على النفس البشرية، فقال الله تعالى:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33).

وقال سبحانه: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).

وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190).

وقال تعالى في بيان مبدأ المسؤولية الفردية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الأنعام: 164).

هذه الآيات ليست مجرد نصوص تُتلى، بل مبادئ أخلاقية وإنسانية تؤسس لاحترام الحياة، وتحرم العدوان، وترفض تحميل الأبرياء وزر غيرهم. فمن يقتل إنسانًا آمنًا، أو يروع أسرة، أو ينتهك حرمة جنازة أو مكان عبادة، يرتكب جريمة تتناقض مع جوهر هذه القيم، ولا يملك أن يتخذ الدين ذريعة لتبريرها.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الفكر الذي يدعو إليه المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، من خلال العودة إلى هدي القرآن الكريم وقيمه الإنسانية، وترسيخ مفاهيم الرحمة والعدل والسلام، ورفض الغلو والتكفير والتحريض على العنف، وتأكيد كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن.

إنّ رسالة السلام التي تنطلق من القيم القرآنية تدعونا إلى ألا نكتفي بإدانة الجريمة بعد وقوعها، بل إلى مواجهة الأفكار التي تهيئ لها، وتصحيح المفاهيم الدينية التي تُحرَّف لتبرير القتل والكراهية، ونشر ثقافة تحترم الإنسان دون تمييز بسبب دينه أو عقيدته.

فالدين الذي يدعو إلى العدل لا يمكن أن يكون مبررًا للظلم، والقرآن الذي يحرم قتل النفس لا يمكن أن يكون غطاءً لاستباحة دماء الأبرياء. ومن واجب المؤسسات الفكرية والثقافية والدينية أن تتعاون في بناء وعي يحصّن الأجيال من التطرف، ويجعل السلام ممارسةً وسلوكًا، لا مجرد شعار.

إنّ جريمة كنيسة حمود في الكرك تستوجب موقفًا وطنيًا موحدًا، يرفض الإرهاب بكل أشكاله، ويقف إلى جانب أسر الشهداء والمصابين، ويؤكد أن الاعتداء على مواطن أردني هو اعتداء على الأردن كله، بصرف النظر عن دينه أو عشيرته أو انتمائه.

ندعو أبناء الأردن جميعًا، مسلمين ومسيحيين، وعشائر ومؤسسات وأحزابًا وهيئات دينية وثقافية، إلى التمسك بوحدتنا الوطنية، ورفض خطاب الكراهية والتحريض، وعدم السماح للمجرمين بأن يحققوا أهدافهم في زرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.

كما ندعو الجهات المختصة إلى كشف ملابسات الجريمة كاملة، والتحقيق في دوافع مرتكبيها، وتعقب كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التحريض أو التمويل، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون والأدلة، دون اتهامات جزافية أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد.

إنّ قوة الأردن تكمن في تماسك أبنائه، وفي تاريخ طويل من الأخوّة والتكافل والتعايش. فالمسلم الذي يقف إلى جانب جاره المسيحي في محنته، والمسيحي الذي يشارك أخاه المسلم أفراحه وأحزانه، كلاهما يجسدان أسمى معاني المواطنة والإنسانية.

رحم الله شهداء الكرك، وحفظ أهلها، وحمى الأردن من الفتنة والإرهاب.

ستبقى الكرك رمزًا للأخوّة الوطنية، وستبقى الكنيسة والمسجد مكانين للعبادة والأمان، لا ساحةً للكراهية والقتل.

ولنرفع جميعًا صوتًا واحدًا:

لا للإرهاب، لا للتكفير، لا لاستباحة دماء الأبرياء، نعم للوحدة الوطنية، نعم للعدالة، نعم لثقافة السلام التي تستلهم هدي القرآن الكريم وتنتصر لكرامة الإنسان.

فالأردن وطن يجمعنا، والإنسانية مسؤوليتنا، والسلام رسالة تستحق أن نحملها جميعًا.