
في زمنٍ عصفت فيه الحروب والأزمات بالجارة الشقيقة مالي، وتحوّلت فيه العاصمة باماكو إلى ساحة قلق واضطراب، برزت نماذج نادرة من الرجال الذين اختاروا الوقوف في الصفوف الأولى، لا طلبًا للثناء، بل وفاءً للأمانة. ومن بين هؤلاء، يسطع اسم "المصطفى النهاه"الذي خدم بجدية دون كلل، وظل ثابتًا في موقعه حين غادر كثيرون، مفضّلًا أداء واجبه على سلامته الشخصية.
في مراحل عصيبة، خرجت خلالها غالبية البعثات الدبلوماسية، وتقلّص الحضور الرسمي إلى أدنى مستوياته، بقي هذا الرجل واقفًا راسخًا كالنخيل الباسقات، يفتح أبواب السفارة للمواطنين، يتابع ملفاتهم، يخفف عنهم وطأة الغربة، ويجتهد في تيسير شؤونهم رغم شح الإمكانات وقسوة الظروف الأمنية.
تحمّل أعباء مرحلة عصيبة، فكان ملاذًا
للمراجعين، وسندًا لأبناء الجالية، وحارسًا للأمانة في موقعٍ بالغ الحساسية، إذ تولّى شؤون حسابات السفارة، ومع ذلك ظل طاهر اليد، نزيه السيرة، لم يُسجَّل عليه يومًا ملف فساد أو شبهة اختلاس، في وقتٍ قلّ فيه من ينجو من ألسنة الاتهام.
لم يكن عمله مجرد وظيفة، بل رسالة حملها بإخلاص. كان حاضرًا في ساعات الخطر، صبورًا أمام ضغط الأحداث، ومتفانيًا في خدمة أبناء وطنه، واضعًا مصلحة المواطنين فوق كل اعتبار. شهد له الجميع بالانضباط والكفاءة، وبروح التضحية التي قلّ أن نجدها في زمن المصالح الضيقة.
وحين أُحيل إلى التقاعد في هذا العام، لم يكن ذلك نهاية عطائه، فالتجربة التي راكمها، والأمانة التي حافظ عليها ،والصلابة التي أثبتها، والإنجازات التي حققها في أحلك الظروف، تجعل منه رصيدًا وطنيًا لا ينبغي التفريط فيه. إن الكفاءات الصادقة لا تتقاعد، بل تتجدّد أدوارها، وتبقى حاجة الوطن إليها قائمة.
ومن هذا المنطلق، نتمنى أن تُعاد فيه الثقة، وأن يُمكَّن من مواصلة العطاء بما يليق بكفاءته وتضحياته، فالأوطان تُبنى بسواعد المخلصين، وتنهض بخبرة المجربين.
ختامًا، تحية تقدير وإجلال لهذا الرجل الذي صمد حين اهتزّ الواقع، وخدم حين عزّ الخدم، وأوفى بالعهد في زمن المحن. نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يكتب له دوام الصحة والعافية وأن يوفقه لكل خير .
من صفحة حدمين النهاه




