
ما تزال ذاكرة الوطن تنهل من معين الرعيل الأول؛ أولئك الذين أرسوا دعائم التأسيس، ومن تلاهم من جيل استقى من قيمهم ملاحم الوفاء، فغدوا حصونا منيعة لحياض الجمهورية، وعنوانا للشهامة التي لا تلين، مقدمين مصلحة الأمة العليا على حظوظ النفس وعوارض الغايات
ومن صميم هذه المدرسة الوطنية العتيقة يبرز اسم المغفور له بإذن الله الشيخ ولد الدده؛ رجلٌ تشرب مفاهيم الدولة حتى غدت له سجية، وانصهر في خدمتها حتى صار أحد أعمدتها الراسخة، ابنا بارا للجمهورية، وحارسا أمينا لقيمها.
وُلد الشيخ سنة 1950 في ربوع "حاسي بو زريبة" بمقاطعة باسكنو في الحوض الشرقي، حيث تتفتح النفوس على معاني الشرف، وتربى الأرواح على المكارم.
هناك نشأ نشأة الفرسان؛ فاستقام لسانه على بيان القرآن وعلوم الشريعة، واشتد عوده على الفروسية والرماية، مستلهما من بيئته روح الإباء والنجدة.
ولم يحصر طموحه في التكوين التقليدي، بل ولج صرح التعليم النظامي، فنال شهادة البكالوريا مطلع السبعينيات، وبدأ مسيرته معلّمًا للأجيال، قبل أن تقوده روح الواجب إلى الانتماء للمؤسسة العسكرية، حيث التحق بسلك الدرك الوطني ضابطًا يحمل شرف البذلة وعبء المسؤولية.
وحين دقت طبول ما عُرف بــ "حرب التوحيد"، حرب الصحراء، كان الشيخ في مقدمة من لبّوا النداء، فخاض غمار الوغى مدافعا عن حمى الوطن، مسطرا ببطولاته صفحات لا يطويها النسيان.
وبعد انقضاء الحرب، ظل رهن إشارة الواجب، متنقلًا بين المواقع، يؤدي الأمانة بتجرد وإخلاص.
لم يكن الشيخ ولد الدده مجرد ضابط في سجل المؤسسة العسكرية، بل كان قيمة أخلاقية قائمة بذاتها. وقد تجلّى معدنه الأصيل في مواقفه الإنسانية النادرة.
يقول الإمام الأكبر بداه ولد البصيري برّد الله مضجه إن الحافظ ابن حجر العسقلاني، في ترجمتة لأعيان المائة الثامنة في كتابه (الدرر الكامنة) عندما بلغ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول بداه: (أصلْ ما ادْفِنْلُو المعرفة).
وكذلك فعل الشيخ ولد الدده مع الرئيس المؤسس المحتار ولد داداه حين كان سجينا في مدينة ولاته، بعد انقلاب العسكر عليه، فلم يدفن له المعرفة، يقول الرئيس المختار، في مذكراته (موريتانيا على درب التحديات): "وَفٌَرَ لى الملازم: الشيخ ولد الدّده، أفضل إقامة ممكنة، وقدّم ما يستطيع من أجل تلطيف قسوة الظروف في بداية إقامتى الولاتية..
ويستطرد ولد داداه: وكان يشاركنى وجبة الإفطار في رمضان ووجبة العشاء، ويصر على ألا أتناول مأدبة الطعام بمفردي".
وبذات الروح، عامل الشيخ أستاذه ووزير الدفاع الأسبق السيد محمذن ولد باباه، حين وُضع رهن الاعتقال.
يقول محمذن في حديث مع الصحفي الشيخ ولد سيدي عبد الله:
"حين وضعوني بالثكنة العسكرية في النعمة، علم بي أحد طلابي هو الشيخ ولد الدّده، الذي تصاف مجيئي مع وجوده في النعمة، وكان يعمل في لعيون، ورغم ذلك جاءني ممتطيا سيارة جيبب عسكرية، وذهب بي وبالغ في إكرامي، بل خاطبني قائلا: لقد ورثتُ عن أبي بقرًا وغنما وإبلا لم أتمنَ أن أحرقها كما تمنيت اليوم لأجل إكرامك، فقل لي ما الذي تحتاجه؟
فأجاب محمذن بلباقة وظرافة: خاصني ألّا الشّم (النشوق)
فأتاه بالشم، وحين همّ بالرجوع إلى مقر عمله بلعيون أوصى عليه عديله ممثل شركة سونمكس في النعمة بأن يرسل إليه كل يوم ما يحتاجه، وفعل ذلك لكن الحاكم كان يصادر كل شيء، حسب ما أفاد به الوزير محمذن.
.
وفي لحظة وطنية حرجة، خلال المحاولة الانقلابية في 16 مارس 1981، برز حس الشيخ الأمني وشجاعته النادرة، حين ساهم بوعي واقتدار في إخراج الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع من مباني القيادة بعد افلاته من قبضة المقتحمين بقيادة العقيد "كادير" داخل قيادة الأركان، في موقف حبست فيه الأنفاس وسجله التاريخ ضمن مآثره.
انتقل الشيخ إلى العمل الإداري والمدني، فتولى مسؤوليات السيادة واليا في لبراكنه، وتيرس زمور، وكيدي ماغا، ثم مديرا لإدارة الضرائب، حيث سنّ هناك "سنةً حسنة" في مفاصل الإدارة الموريتانية، بكونه أول مدير للضرائب يكسر حاجز التغريب اللغوي ويصدر وثيقة رسمية باللغة العربية، انتصاراً للهوية وتفعيلاً لدستور البلاد.
وعندما عصفت به رياح السياسة واتّهم بالانتماء لتيار البعث العربي الاشتراكي، واجه "الإقامة الجبرية" في مسقط رأسه باسكنو عام 1989 بصلابة المؤمن بعدالة قضيته. وحين عُرضت عليه العودة إلى المؤسسة العسكرية، آثر كرامته على الرتبة، رافضًا أن يُمس شرف العقيدة العسكرية، ومقدمًا السمعة على المنصب.
استمر عطاؤه في الدولة مستشاراً رفيعاً في مؤسسات اقتصادية كبرى مثل (آلماب) وميناء نواكشوط المستقل، وصولاً إلى قبة مجلس الشيوخ. وهناك، قدم درساً في "الأمانة المالية" قلّ نظيره؛ فبصفته مسيراً مالياً للغرفة، قام بإعادة 400 مليون أوقية إلى الخزينة العامة للدولة خلال الفترة الانتقالية، في خطوة كرّسته رمزاً للاستقامة وعفة اليد، ثم انتخب بعد ذلك سناتورا عن دائرة المغرب العربي 2013، ولو لم يكن له من الحسنات إلا إسقاط التعديلات الدستورية 2017، إلى جانب زملائه من الشيوخ الأحرار لكفته، رحمة الله عليه.
كان الشيخ ولد الدده موئلًا لقضاء الحوائج، ومضرب المثل في المروءة والندى؛ جمع بين هيبة الحزم وسعة الحلم، وبين السيف والقلم.
ضابطًا صارمًا، وسياسيًا محنكًا، وحقوقيًا ضليعًا نال إجازة القانون استزادةً في المعرفة سنة 2008. كما كان واسع الثقافة، طليق اللسان بالعربية والفرنسية، عارفًا بالتدنيت، عِدَّ القريحة في الأدب الشعبي.
ترجّل الشيخ ولد الدده، يوم الثاني من فبراير 2021، فانطوت برحيله صفحة من صفحات الفتوة المتكاملة، لكنه ترك للوطن إرثًا من المجد، وذكرًا لا يخبو، وسيرةً تشهد أن بعض الرجال، وإن غابوا، يظلون أعمدة في ذاكرة الأمم.
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن موريتانيا خير الجزاء.
كامل الود




