
في الدول الحقيقية، لا يُعد منصب السفير وجها بروتوكوليا ولا مكافأة سياسية، ولا هبة ولا منحة للمقربين، بل وظيفة دولة من الطراز الأول. فالسفير هناك دبلوماسي محترف تدرّج في السلك سنوات طويلة، مرّ بمحطات متعددة؛ مستشارا ثانيا، ثم أولا، ثم قائما بالأعمال، قبل أن يصل إلى رأس البعثة. لذلك فهو ليس ممثلا شخصيا للحكومة بقدر ما هو مدير بعثة وطنية سياسية اقتصادية أمنية كاملة.
ولا يُعيَّن السفير تعيينا عاما؛ إذ قد يصلح الشخص لبلد ولا يصلح لبلد آخر. فالدولة النفطية يُختار لها خبير طاقة واقتصاد، والدولة المضطربة خبير أمني أو تفاوضي، والدول الكبرى يُبعث إليها دبلوماسي ثقيل سياسيا، أما المنظمات الدولية فيُوفد إليها قانوني دولي أو مفاوض متعدد الأطراف. فالمعيار هو ملف الدولة قبل رتبة الشخص.
كما لا يكفي لتعيينه قرار السلطة التنفيذية العليا وحده؛ إذ تخضع التعيينات لرقابة مؤسسية؛ كموافقة مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، وكتدقيق وزارة الخارجية ولجان التعيينات في فرنسا، وكمقابلات رسمية داخل الخارجية البريطانية. ويُفحص السجل الأخلاقي، وتضارب المصالح، والكفاءة، والخبرة الإقليمية، وتقارير الأداء في إدارة الأزمات والتفاوض. ولهذا نادرًا ما ترى سفيرًا بلا مسار مهني واضح.
ولا يعني ذلك غياب البعد السياسي تماما، لكنه يظل محدودا ومحكوما بالمخاطر والتخصص.
أما في الدول غير الحقيقية، فيتحول المنصب إلى أداة توزيع للعطايا والهبات والمكافآت للأصدقاء والأقارب، أو منفذ للعلاج في دولة متقدمة، أو إبعاد لضابط عن المشهد، أو استراحة لوزير سابق مطلع على ملفات حساسة.
باختصار:
في الدول الحقيقية:
تُنظر الوظيفة أولا، ثم تُحدَّد حاجتها، ثم يُبحث عن الشخص الذي يخدمها.
في الدول غير الحقيقية:
يُنظر إلى الشخص أولا، ثم تُحدَّد حاجته، ثم يُبحث له عن وظيفة تخدمه.




