الفكر الإصلاحي بين الشرفاء ومهاتير محمد / د : عبد الراضي رضوان

خميس, 03/12/2026 - 12:20

 

لم يكن الاشتغال الوظيفي بالعمل السياسي الذي ميزهما بالتفرد بعميق فكر ينبع من ثاقب نظر ويستند إلى خبرة الممارسة والتطبيق على أرض الواقع  هو الجامع المشترك الوحيد بين علي الشرفاء ومهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي السابق 

بل يجمعهما جوامع ثلاثة أكثر اتساعاً وأبعد تأثيرا  :
أولها : 
الاستغراق في البحث في جوانب وأبعاد السياسة الشرعية كما قررها القرآن الكريم وانعكست في مباحث وقوالب النظرية السياسة في الفكر الإسلامي .
الثاني :
السعي الدؤوب إلى التطبيق العملي لقيم تلك السياسة الشرعية ومبادئها وأصولها على أرض الواقع من خلال القنوات الرسمية بمؤسسات الدول الإسلامية. 
الثالث :
النقد الواعي لأحوال العالم الإسلامي في إطار محاولة تحرير  جواب  لسؤال النهضة المؤلم : لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم  ؟

لكن ينفرد على الشرفاء بمشروعه الإصلاحي الشامل الذي يقوم على أصلين عظيمين :

الأصل الأول  التجديد الديني ، وذلك من خلال تقديم تدبرات قرآنية كاشفة عن دين الله الحق في الخطاب الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وذلك لأجل تنقية الخطاب الديني الموروث مما شابه من اعوجاج وانحراف عن سواء سبيل وصراط الله المستقيم .

الأصل الثاني البعث الحضاري واستعادة الازدهار العمراني للأمة  بتطبيق شرعة الله ومنهاجه بقيمها في العدل والرحمة والإحسان والتراحم والإخاء الإنساني والتضامن والوحدة والاعتصام بحبل الله المتين واجتناب الفُرقة في الدين والتنازع القائد إلى الفشل والهزيمة الحضارية.

وفي هذا الإطار تأتي قضية حقيقة التدين بالعالم الإسلامي نموذجا رائعا للنقد الواعي الذي قدَّمه كُلٌّ منهما .

ففي تصريح مهم لمهاتير محمد 
يقول :
( نحن نسمي أنفسنا مسلمين ؛ لكننا
لا نتبع تعاليم الإسلام ) ، مشيرا إلى أن مأساة الضعف والمهانة التي يبدو عليها العالم الإسلامي اليوم ليست فقط بسبب قوة الخصم ، بل بسبب ابتعاد المسلمين عن تعاليم القرآن
وقيم الإسلام التي كانت يومًا مصدر قوتهم ووحدتهم.

وهذا الطرح المهاتيري الرابط بين شكلية التدين لدى المسلمين وبين حالة التردي والضعف الحضاري التي يعيشونها .
تقابله معالجات الشرفاء العميقة ، وتناولاته المتعددة ، ودراساته الكثيفة معرفيا ومنهجيا لهذا الأمر تحت عنوانات متنوعة الطابع والأسلوب والغايات سواء أكانت أصولية أم أخلاقية أم تعبدية أم اعتقادية تدور حول حقيقة الإسلام ، وحول مقتضيات العهد والميثاق المقطوع مع الله من خلال شهادة التوحيد التي دخل بها المسلم إلى دين الله. 

فالشرفاء يقرر بوضوح وحسم في آنٍ  أن العهد والميثاق المقطوع مع الله من خلال شهادة التوحيد لا يتحقق إلا بالالتزام الكامل بشرعة الله ومنهاجه في القرآن الكريم .

كما يرى الشرفاء أن التمكين الحضاري للمسلمين واعتلاء قمم الازدهار العمراني والنصرة في الدنيا مقرون ومشروط بالالتزام بذلك العهد والميثاق وتحقيق مقتضياته.
 
ويستند الشرفاء في ذلك إلى مقررات وتوجيهات قرآنية متعددة تحكم سُنن النصر والتمكين في الأرض مما تناولها القرآن الكريم في سياق بناء الأمة وإقامة العمران الإنساني مرتبطةً بمنظومة متكاملة من القيم الإيمانية والأخلاقية والسلوكية التي تؤهل المجتمع ليكون جديراً بحمل أعباء رسالة الاستخلاف في الأرض .

وقد استخلص الشرفاء من خلال تدبراته القرآنية هذه السُنن والقيم الأخلاقية والإيمانية المشروط بها النصر والتمكين مؤكداً على حتميتها الوجودية مقدٍّمةً ضرورية لأي نصر أوتمكين ، متمثلةً في :

أولا :
 النصر والتمكين ليس صَكّاً أو وعداً مطلقاً 

وإنما الانتصار والتمكين في الأرض سُنَّةٌ إلهية مرتبطة بتحقق أسبابها وشروطها التي إن تحققت تحقق الوعد الإلهي بها  ، وإن اختلَّتْ تأخر النصر أو زال التمكين كما قال تعالى :
( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).
ونُصْرة الله هي نصرة شرعته وفق منهاجه بقيمها الدينية  والسياسية والأخلاقية والروحية والاجتماعية والحضارية. 

ثانيا : 
الإيمان الصادق المقرون بالعمل الصالح أساس النصر والتمكين.

فالقرآن الكريم يجعل من الإيمان بالله مقدمة ضرورية في مشروطية النصر والتمكين ، لأن الإيمان هو القوة الداخلية التي تبني الإنسان القادر على التضحية والثبات والإنجاز .قال تعالى :
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ).
فجعل الله التمكين مرتبطا بشَرْطي الإيمان والعمل الصالح.

ثالثاً : 
التقوى والإحسان هما ضمانة التأييد الإلهي.

إذ تمثل التقوى والإحسان الضابط الأخلاقي والسلوكي الذي يحفظ المجتمع من الانحراف ويجعله متضامنا متحاباً ذا  أهلية واستحقاق للعون الإلهي .قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) .

كما يجعل القرآن الكريم من التقوى  باباً فاتحاً لكل سُبُل الخير ومخارج الأزمات ودواعي الانتصارات كما يقول تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ).

فالتقوى ليست مجرد شعور قلبي بالخوف والرهبة من العقاب ، بل هي منهج حياة قائم على الالتزام بأوامر الله ونواهيه في شرعته ومنهاجه.

رابعاً: 
التفرق والاحتراب  والتنازع والاختلاف
 أول عوامل الضعف والهزيمة ؛ ولذلك حذَّرنا منه القرآن ونهانا عنه نهياً شديداً بقوله تعالى : ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ).
لكون النزاع يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين هما الفشل وذهاب القوة ، وتلك بدايات السقوط الحضاري والأممي الذي وضع القرآن سبيل النجاة منه بالتماس طريق 
 الاعتصام بالوحدة في  المنهاجية والغاية والعمل :
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) .
وهذه الوحدة ليست وحدة سياسية وعسكرية واقتصادية فقط ، بل هي وحدة عقدية ومنهجية تقوم على اتباع الصراط المستقيم : ( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ).

رابعاً : 
العدل عماد التمكين الحضاري.

ولذلك جاءت إقامة العدل بالقرآن ليست على سبيل الاستحباب أو الندب بل على سبيل الإلزام قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ  ) ، ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا  ) ؛ وذلك لأن
المجتمعات التي تقوم على الظلم والفساد لا يمكن أن تنال تأييد الله أو نصره.
كما أنها تكون قد جلبت على نفسها أحد عوامل  سقوط الأمم ألا وهو الظلم 
قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ).

لذلك كان العدل أساس الحُكم ليكون معه التمكين الحقيقي والعُلو استحقاقا.

سادساً : 
إعداد وحيازة أسباب القوة العصرية.

بما يؤهل لخوض معارك الردع وصراعاتها المادية والمعنوية تحقيقا للرهبة الحائلة بين العدو وبين الاستعلاء أو الاستيلاء أو المساس بمقدرات الأمة . قال تعالى :
( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ  ۞ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ   ) وبالتالي
تشتمل القوة في المفهوم القرآني على القوة بأنواعها : العسكرية والاقتصادية والعلمية والتنظيمية.
فالأمة القوية ذات اليد العليا هي التي تجمع بين الإيمان الصحيح والقوة القاهرة .

سابعاً: 
لا تمكين أو انتصار دون مثابرة ومرابطة ودوام يقظة .

لأن التمكين والانتصار يدور وجودا وعدما مع القاعدة الحضارية (يَدٌ تبني ، ويَدٌ تحمل السلاح ) المقررة بقوله تعالى أمرا إلزاميا مرهونا به تحقيق الفَلَاح : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، والصبر المأمور به يشمل :
الصبر على الشدائد ، و على الالتزام بالمنهاج ، وفي مواجهة البغي والعدوان ، وعلى الإتقان في العمل ، وعلى مقاومة المفاسد. 

ثامنا : 
الإصلاح الداخلي للذات 

فقد  سبق القرآن الكريم جميع النظريات إلى تأسيس قاعدة كبرى في التغيير الحضاري : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، تلك التي تنفي عدم إمكانية وقوع التمكين دون البدء بإصلاح الإنسان ذاته أولا قبل أن يشرع في مباشرة سُبُل التمكين ، وهذا الإصلاح الذاتي إصلاح للاعتقاد والعبادة والفكر والأخلاق والسلوك ، فذلك
الإصلاح الفردي للذات هو الذي تصلح به المجتمعات فتقوى وتزدهر الأمم والحضارات.
فالتمكين وتحقق الوعد الإلهي بالنصر سنة إلهية مرتبطة بتحقق شروطها ،  ويبدأ طريقها بإصلاح الإنسان ، وبناء المجتمع على هدي الوحي الإلهي ، في إطار منظومة متكاملة تجمع بين الإيمان الصادق المقرون بالعمل الصالح وإعمال قيم العدل والرحمة والإحسان والأخوة والوحدة.