
ليس لأن مصر تبحث عن دورٍ مفقود بل لأن الجغرافيا والتاريخ يرفضان تغييبها فهذه الدولة التي شكّلت عبر قرونٍ قلب التوازن العربي لم تكن يومًا عنصرًا هامشيًا في معادلات الإقليم بل كانت دائمًا مركز الثقل الذي تتقاطع عنده المصالح وتُعاد عنده صياغة التوازنات
الحديث عن شرق أوسط جديد دون مصر هو حديث نظري يفتقر إلى إدراك طبيعة المنطقة فمصر ليست مجرد دولة كبيرة من حيث السكان أو الموقع بل هي منظومة تأثير مركّبة عمق حضاري وثقل ديموغرافي وموقع استراتيجي يتحكم في شرايين التجارة العالمية فضلًا عن دورها التاريخي في تشكيل الوعي العربي وصياغة مفاهيم الدولة الوطنية
صحيح أن مصر اختارت في مرحلة ما الانكفاء النسبي ليس هروبًا من الدور بل انشغالًا بإعادة بناء الداخل وترميم ما أرهقته التحولات العنيفة وكان هذا القرار في جوهره تعبيرًا عن عقلانية الدولة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالشعارات بل بالقدرة الاقتصادية والاستقرار المؤسسي لكن هذا الانكفاء لم يكن انسحابًا من التاريخ بل كان إعادة تموضع استعدادًا لمرحلة أكثر تعقيدًا
اليوم ومع تسارع محاولات إعادة تشكيل الإقليم تبرز قوى إقليمية غير عربية تسعى لفرض رؤاها من تركيا إلى إيران الى باكستان ولا ننسى امريكا واسرائيل مرورًا بأدوار أخرى تمتد نحو آسيا هذه القوى تتحرك وفق مصالحها القومية وتسعى لملء أي فراغ قد يتركه العرب وهنا تحديدًا تتجلى خطورة غياب التوازن العربي لأن ترك الساحة دون حضور عربي فاعل يعني إعادة رسم خريطة المنطقة على أسس لا تعكس هوية شعوبها ولا مصالحها
مصر تدرك هذه الحقيقة جيدًا لذلك فإن عودتها للمشهد ليست عودة استعراض أو استدعاءً لزمن مضى كما في مرحلة جمال عبد الناصر حين كان الصراع يُدار بمنطق المواجهة المباشرة والشعارات الكبرى بل هي عودة بعقل الدولة لا بعاطفة الثورة عودة تقوم على التوازن وبناء الشراكات وإدارة المصالح لا على المغامرة أو الصدام غير المحسوب
إن ما تطرحه مصر اليوم هو مفهوم الشريك العاقل لا المقاتل الأيديولوجي فهي لا تسعى لاحتكار القرار العربي لكنها في الوقت ذاته ترفض أن يُعاد تشكيل المنطقة عبر ترتيبات تُقصي العرب أو تختزلهم فوجود ما يقارب نصف مليار عربي ليس رقمًا يمكن تجاوزه في معادلات المستقبل بل هو كتلة بشرية وثقافية وسياسية يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من أي صياغة جديدة
وفي هذا السياق تصبح مصر ضرورة توازن لا مجرد طرف فهي القادرة على مد الجسور بين المتناقضات وعلى صياغة مساحات مشتركة بين المصالح المتعارضة بحكم خبرتها الطويلة وثقلها السياسي كما أن موقعها يجعلها بوابة لا غنى عنها لأي مشروع إقليمي سواء في الطاقة أو التجارة أو الأمن
إن الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله بالقوة وحدها ولا عبر تحالفات عابرة بل عبر منظومات مستقرة تستند إلى مراكز ثقل حقيقية ومصر بحكم كل ما سبق تمثل أحد هذه المراكز التي لا يمكن تجاوزها أو استبدالها
الخلاصة أن عودة مصر ليست خيارًا تكتيكيًا بل حتمية تاريخية فالإقليم الذي يُعاد رسمه الآن لن يستقر ولن يكتمل من دون حضورها الفاعل لا كمقاتل يستدعي الماضي بل كدولة تصوغ المستقبل بعقل بارد ورؤية ممتدة تحفظ التوازن وتمنح العرب موقعهم الطبيعي في معادلة العالم




