
فى مشهد لافت ومحمّل بالدلالات، جاءت لحظة انهيار أحد العناصر الإرهابية المنتمية إلى حركة «حسم» الإخوانية الإرهابية (على عبدالونيس) وهو يقر بجرائمه، لتفتح بابًا واسعًا للتأمل فى البنية الفكرية التى تُنتج مثل هذه النماذج. يكشف ذلك البكاء، سواء كان صادقًا أو مشُوبًا بحسابات أخرى، عن حقيقة إنسانية لا يمكن تجاهلها؛ أن الضمير قد يُغيَّب طويلًا، لكنه لا يُمحى، إلا أن عودة الوعى بعد ارتكاب الجريمة لا تعفى من تبعاتها، كما أنها لا تعالج جذور المأساة التى صنعت هذا المسار المنحرف من الأساس. تتجاوز القضية فردًا بعينه إلى سؤال جوهري: كيف يصل إنسان إلى مرحلة يقتل فيها ويُخرب ويُفجر باسم الله، ثم يكتشف متأخرًا أن ما فعله يتناقض مع جوهر الدين؟ الإجابة تكمن فى منظومة متكاملة من التزييف المعرفى والتلاعب بالمفاهيم، حيث تُختطف النصوص وتُفرغ من مقاصدها، ويُعاد توظيفها لخدمة مشاريع العنف والسلطة. لقد حذر القرآن الكريم بوضوح من هذا المسلك المنحرف، ففى سورة المائدة: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، وهى دلالة قاطعة على قدسية النفس الإنسانية، بما ينسف من الأساس أى خطاب يبرر سفك الدماء تحت أى لافتة دينية. ويأتى التحذير الأشد وقعًا فى قوله سبحانه وتعالى من سورة البقرة: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ)، حيث يكشف النص عن جريمة مزدوجة؛ تحريف المعنى، ونسبته إلى الله، وهى الجريمة الشنيعة ذاتها التى تتكرر فى خطاب الجماعات المتطرفة عبر العصور. هذه الظاهرة ليست طارئة فى التاريخ، فقد شهدت الإنسانية نماذج عديدة لجماعات ودول وظّفت الدين لتحقيق مكاسب دنيوية، من الدول التى رفعت عنوان الإسلام والخلافة زورًا إلى محاكم التفتيش فى أوروبا إلى الحركات المتطرفة الحديثة التى رفعت شعارات دينية لتبرير العنف.
وفى السياق المعاصر، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة، كما فى حالة الإرهابى الفرنسى من أصول مغاربية صلاح عبدالسلام، الذى شارك فى هجمات باريس الدامية عام 2015؛ فخلال محاكمته، بدا وكأنه يسعى إلى إعادة تشكيل صورته، متمنيًا أن يُنسَى، فى اعتراف ضمنى بثقل الجريمة، إلا أن مسار حياته يكشف عن هشاشة فكرية عميقة؛ إذ انتقل من حياة عبثية إلى التطرف فى زمن قياسى، مدفوعًا بتأثيرات محيطه لا بقناعة راسخة. تتقاطع تلك القصة مع حالة «عبدالونيس»؛ فكلاهما يعكس نمطًا متكررًا؛ أفراد لم يبنوا وعيهم الدينى على معرفة راسخة، فكانوا فريسة سهلة لخطاب متطرف، ثم اكتشفوا الحقيقة بعد فوات الأوان. هذه النهايات التراجيدية تفرض ضرورة الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقى، عبر مشروع إصلاح دينى وفكرى شامل، يُبنى على عدة ركائز واضحة:
أولًا: إعادة تأسيس الوعى الدينى على القرآن الكريم، باعتباره المرجعية العليا، مع تقديمه باعتباره كتاب هداية أخلاقية وإنسانية يركز على قيم الرحمة والعدل والعمران، بعيدًا عن القراءات المؤدلجة. ثانيًا: تفكيك خطاب الجماعات المتطرفة علميًا ومنهجيًا، وكشف تناقضاته مع النصوص القرآنية، مع تدريب الأجيال الجديدة على التفكير النقدى الذى يمنع الانسياق خلف الشعارات. ثالثًا: دمج التربية الفكرية فى منظومة التعليم، بحيث يمتد دور المؤسسات التعليمية إلى بناء إنسان قادر على التمييز بين الحق والزيف، ولا يقتصر على نقل المعرفة. رابعًا: إطلاق مشروع إعلامى وثقافى متكامل يعيد تقديم الدين فى صورته النقية، ويواجه الدعاية المتطرفة بلغتها وأدواتها، مستفيدًا من الوسائط الحديثة. خامسًا: تحمل الدولة مسئولية قيادة هذا المشروع، باعتباره قضية أمن قومى، فحماية العقول توازى حماية الحدود، وتحصين الشباب من التطرف يُعد استثمارًا فى استقرار المجتمع ومستقبله.
تؤكد التجارب العالمية أن المواجهة الأمنية، رغم ضرورتها، لا تكفى وحدها؛ فالإرهاب فكرة قبل أن يكون فعلًا، ومعالجة الفكرة تتطلب مشروعًا طويل النفس يعيد بناء الإنسان من الداخل، وحينما يتأخر هذا البناء، تظهر نماذج تستيقظ فجأة على هول ما ارتكبت، كما حدث مع عبدالونيس وغيره، حيث يتحول الندم إلى شهادة إدانة متأخرة لا تغير من الواقع شيئًا.




