مالي تتحول إلى بؤرة للانكشاف الاستراتيجي متعدد الأبعاد

أربعاء, 04/15/2026 - 10:37

 

#لم تعد مالي، في صورتها الراهنة، مجرد دولة تعاني تمردا مسلحا أو أزمة حكم عابرة.

لقد غدت، على نحو أكثر دقة وعمقا، مثالا صارخا على الدولة التي تتآكل وظائفها السيادية تحت ضغط العنف المسلح، وتضطرب خياراتها الدبلوماسية تحت وطأة العزلة والارتياب، وتتحول حدودها من مجال للحركة والتبادل إلى مسارح مفتوحة للتهديد والاشتباه والاختراق.

فالأزمة المالية لم تعد قابلة للاختزال في بعدها الداخلي.

ذلك أن طبيعتها الفعلية أصبحت إقليمية بامتياز، كما أن آثارها لم تعد تتوقف عند حدود باماكو أو أقاليم الشمال والوسط، بل امتدت إلى موريتانيا والجزائر والسنغال، وإلى مجمل فضاء الساحل الذي بات يتعامل مع مالي بوصفها بؤرة اضطراب ممتد، لا بوصفها دولة جوار عادية.

وتزداد خطورة هذا المشهد إذا قرئ في ضوء الطبيعة الجغرافية والسياسية لمالي.

فالبلاد تتوسط واحدا من أكثر الأحزمة الإفريقية هشاشة، وتجاور الجزائر وموريتانيا والسنغال والنيجر وبوركينا فاسو وغينيا وساحل العاج، بما يجعلها عقدة وصل بين المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل الصحراوي.

غير أن هذا الموقع، الذي كان يفترض أن يكون مصدر قيمة استراتيجية وتنموية، انقلب بفعل ضعف الدولة إلى مصدر استنزاف مضاعف.

إذ باتت الحدود الطويلة والرخوة مجالات مناسبة لتحرك الجماعات الجهادية وشبكات التهريب والتسلل، وأصبحت الأطراف المالية أقل خضوعا لمركز الدولة، وأكثر انكشافا على فواعل العنف المنظم.

وفي قلب هذا الانكشاف، برزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بوصفها أخطر بنية جهادية صاعدة في الساحل خلال فترة وجيزة.

فالجماعة التي تأسست سنة 2017 باعتبارها تحالفا يضم عناصر من أنصار الدين، وكتيبة ماسينا، والمرابطون، وعناصر من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مع امتدادات وتحالفات محلية أخرى، ويقودها إياد أغ غالي، بينما يشكل أمادو كوفا أحد أبرز أركانها الميدانيين، امتلكت قدرة استثنائية على الجمع بين الخبرة الجهادية الصلبة، والامتداد الاجتماعي المحلي، والاستفادة من التوترات العرقية والفراغات الأمنية.

غير أن فهم القوة الفعلية لهذا التحالف لا يكتمل من دون التوقف عند كتيبة ماسينا، التي تمثل ذراعه الأكثر دينامية وتأثيرا.

فهذه الكتيبة لم تكتف بتبني الخطاب الجهادي التقليدي، بل عمدت، منذ نشأتها، إلى بناء سردية تعبئة ذات بعد هوياتي واجتماعي، من خلال استثمار ما يسمى بمظلومية الفولان، باعتبارهم جماعة رعوية عابرة للحدود، ترى نفسها واقعة تحت التهميش والضغط في عدد من بلدان غرب إفريقيا، وخصوصا في وسط مالي.

وقد أتاح هذا التوظيف الذكي للبعد الهوياتي لآمادو كوفا أن يخاطب مجتمعات الفولبي في رقعة واسعة من غرب إفريقيا، داعيا أبناءها إلى الالتحاق بالمشروع الجهادي، وهو ما أفضى خلال سنوات قليلة إلى توسيع قاعدة التجنيد، واستقطاب آلاف المقاتلين من الرعاة وطلاب المحاظر والمدارس الدينية الأهلية.

وهكذا تحولت كتيبة ماسينا من فصيل محلي محدود إلى شبكة قتالية عابرة للحدود، امتدت فروعها وامتداداتها إلى بوركينا فاسو والنيجر وساحل العاج وبنين والتوغو، لتصبح القوة الضاربة الأولى داخل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وصاحبة الدور الأبرز في نقل النشاط الجهادي من الشمال إلى الوسط، ثم من الوسط إلى الغرب والجنوب.

ولم تعد هذه الجماعة محصورة في شمال مالي أو وسطها كما كان عليه الوضع في سنوات سابقة.

فالتقارير الحديثة تظهر انتقالها المنهجي نحو الغرب والجنوب، وخصوصا في إقليم خاي ومحيط ديبولي القريب جدا من الحدود السنغالية، حيث باتت تستهدف البنى الأمنية وطرق التجارة والإمداد، ضمن استراتيجية واضحة قوامها خنق المراكز الحضرية، وضرب الشرايين الاقتصادية، وتقويض صورة الدولة باعتبارها عاجزة عن حماية الطريق والسوق والمجال العام.

كما أسهمت كتيبة ماسينا في تشكيل تواصل عملياتي مع مكونات أخرى داخل البنية الجهادية الأوسع، من بينها ما يعرف بإمارة الصحراء في الشمال الغربي، وإمارة غاو في الشمال الشرقي، بما أتاح خلق نطاق عملياتي مترابط يطوق المجال المالي من جهات عدة، ويمنح الجماعات المسلحة قدرة أعلى على المناورة والانتشار وإعادة التموضع.

وبموازاة ذلك، يواصل تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى ترسيخ حضوره في الشرق المالي، وخصوصا في محيط ميناكا والمجالات المتاخمة للنيجر.

وتشير تقارير حديثة إلى أن التنظيم، بقيادة أبو البراء الصحراوي، حافظ على قدرة هجومية مرتفعة، وسيطر على مواضع ومجالات حساسة قرب ميناكا، من بينها تيديرميني شرقي المدينة، الأمر الذي أدى إلى موجات نزوح واسعة باتجاه ميناكا، وإلى تفريغ أرياف بكاملها من سكانها تحت ضغط الخوف والقتل والحصار.

أما الحركات الأزوادية المسلحة، فقد عادت بدورها إلى واجهة الصراع بعد انهيار المسار التفاوضي وتراجع فعالية اتفاق 2015.

وبذلك لم تعد الدولة المالية تواجه خصما واحدا.

لقد باتت موزعة الاستنزاف بين جهاديين مرتبطين بالقاعدة، وآخرين مرتبطين بتنظيم الدولة، وحركات مسلحة ذات طابع انفصالي أو حكمي محلي.

وهذا ما جعل الجبهة العسكرية تتسع أفقيا وعموديا في آن واحد، وحول الجيش المالي إلى مؤسسة تقاتل في أكثر من اتجاه، من دون أن تمتلك تفوقا حاسما في أي اتجاه منها.

وهنا تحديدا تتبدى أزمة الجيش المالي في صورتها الحقيقية.

فالجيش، رغم عدده وامتداده النظري، لا يملك في الواقع القدرة الكافية على بسط سيطرة ثابتة على المجال، ولا على الاحتفاظ طويلا بالمناطق التي يستعيدها.

كما أن تكرار الهجمات النوعية على قواعده وخطوطه ومراكزه يؤكد أن المشكلة ليست في نقص العتاد وحده، وإنما في البنية القيادية، والجاهزية العملياتية، والقدرة الاستخبارية، وفي هشاشة العلاقة بين المؤسسة العسكرية وبعض البيئات المحلية.

ولهذا لم يكن لجوء باماكو إلى الشراكة الروسية والاستعانة بعناصر من مجموعة فاغنر تعبيرا عن ثقة ميدانية، وإنما مؤشرا على عجز بنيوي عن الحسم الذاتي.

غير أن هذا الرهان العسكري لم يحقق الغاية التي دخل من أجلها.

فالأوضاع الداخلية في مالي أظهرت حدود فاعلية فاغنر، بعدما منيت، إلى جانب الجيش المالي، بهزائم فادحة في مواجهات مع الحركات الطارقية والجماعات المسلحة، وسجل مقتل وأسر عدد من عناصرها، بما ألحق ضررا بالغا بسمعتها بوصفها قوة تدخل حاسمة.

ولم ينعكس وجودها على تحسن ملموس في الوضع الأمني.

فعلى العكس من ذلك، واصلت الجماعات المسلحة توسيع نطاق عملياتها، فيما ظلت كتيبة ماسينا تضغط على المجال الحيوي للعاصمة، بالتوازي مع هجمات متواصلة على مواقع الجيش المالي في الشمال والوسط، ضمن استراتيجية استنزاف طويلة النفس تستهدف إنهاك الدولة أكثر مما تستهدف مجرد تسجيل مكاسب تكتيكية عابرة.

وفي عام 2025، أعلنت مجموعة فاغنر انسحابها من مالي بعد نحو أربع سنوات من التواجد، ليتم استبدالها بما يعرف بالفيلق الإفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية.

غير أن هذا التبدل في الواجهة العسكرية لم يغير جوهر المعادلة الميدانية.

فالتحديات الأمنية التي تواجهها باماكو ظلت على حالها، بما يؤكد أن الأزمة أعمق من أن تعالج عبر استبدال فاعل خارجي بآخر، وأن جوهر الإشكال يكمن في طبيعة الصراع ذاته، وفي محدودية قدرة الدولة على استعادة المبادرة داخل مجالها الوطني.

وإذا كانت الجبهة العسكرية تكشف عمق العجز الداخلي، فإن الجبهة الموريتانية تكشف الوجه الأكثر حساسية في ارتدادات الأزمة، أي انتقال الاضطراب المالي من مستوى التوتر السياسي إلى مستوى الاحتكاك الحدودي المباشر.

فالعلاقات الموريتانية المالية، وإن قامت تاريخيا على تداخل اجتماعي وتجاري ورعوي عميق، باتت خلال الأشهر الأخيرة أكثر هشاشة بفعل سلسلة من الوقائع الأمنية المؤلمة، والتصريحات المتوترة، والتصرفات الميدانية المقلقة.

وتنبع أهمية هذه الجبهة من أن الحدود المشتركة بين البلدين تعد من أطول الحدود في المنطقة، إذ تمتد على نحو 2237 كيلومترا عبر فضاء صحراوي مترام يصعب ضبطه على نحو دقيق.

ورغم أن الحكومتين الموريتانية والمالية توصلتا في نوفمبر 2010 إلى اتفاق حول مخطط ترسيم الحدود المشتركة، شمل إقرار محضر اجتماع اللجنة الفنية المكلفة بترسيم الحدود، وحل الخلافات البينية، وتفعيل الاجتماعات الدورية، وتوأمة المدن، وتعزيز التعاون الأمني، فإن هذا التقدم الإداري لم ينه التعقيدات الميدانية التي تفرضها طبيعة المجال الحدودي.

ذلك أن اتفاق 1963، الذي كرس حرية الإقامة والتنقل وممارسة الأنشطة الاقتصادية وحماية الممتلكات للمواطنين في البلدين، أسس بدوره لحيز حدودي شديد التداخل، تتشابك فيه الامتدادات السكانية والاقتصادية والعائلية والرعوية.

ومن ثم، فإن خط الحدود لا يتجلى دائما في صورة ترسيم مادي صارم، بقدر ما يتجلى في صورة أعراف وعلامات محلية متعارف عليها، بحيث كثيرا ما يجري التمييز بين القرى على أساس الانتماء الإداري أو التعليمي أو الجنسي للسكان.

وهذا ما جعل المجال الحدودي، في الظروف الطبيعية، فضاء تواصل واندماج أكثر من كونه مجال فصل وانقطاع.

غير أن هذا التداخل نفسه تحول، في ظل الانفلات الأمني في مالي، إلى عامل تعقيد إضافي.

فمع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، بات من العسير أحيانا التمييز بين التحركات المدنية الاعتيادية وبين تنقلات العناصر المسلحة، وهو ما زاد من هشاشة المجال الحدودي، وأدخل المجتمعات المحلية في حالة تعرض دائم للمخاطر.

وفي هذا السياق، تكتسب المعطيات التي وثقتها ACLED دلالة خاصة، إذ تشير إلى مقتل عشرات المدنيين الموريتانيين في المنطقة الحدودية بين 2022 و2024، في مؤشر واضح على مستوى الخطورة الذي بلغته الأزمة، وعلى حجم تداعياتها المباشرة على السكان.

وقد أعلنت موريتانيا رسميا، قبل أسابيع، إدانتها الشديدة لمقتل مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية قرب الحدود، ووصفت حماية مواطنيها بأنها خط أحمر.

كما أشارت تقارير إقليمية إلى أن نواكشوط حملت القوات المالية مسؤولية حوادث متكررة طالت مدنيين موريتانيين خلال الأعوام الأخيرة، وهو ما منح الأزمة بعدا سياديا وإنسانيا في آن معا.

وفي مقابل دعوات داخل موريتانيا إلى الرد الصارم، اختار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خطابا يزاوج بين الحزم وضبط النفس.

فقد أكد أن القوات المسلحة الموريتانية منتشرة على طول الحدود وتؤمنها بكل الوسائل اللازمة، وأن موريتانيا لن تنجر وراء الاستفزازات، لأن المواجهة العسكرية، في نظره، لن تحل المشكلة وإنما ستعقدها أكثر.

وفي الوقت نفسه، وصف الوضع في مالي بأنه حرب حقيقية ضد جماعات مسلحة في الوسط والشمال.

وهذا توصيف بالغ الأهمية، لأنه يختزل الفهم الموريتاني لطبيعة ما يجري: دولة مجاورة لا تعيش اضطرابا عابرا، وإنما حربا مفتوحة تتسرب آثارها إلى الجوار.

ومن أخطر ما طرأ على هذه الجبهة، تعدد الوقائع الميدانية التي تولد انطباعا بأن الجيش المالي لم يعد يكتفي بملاحقة الخطر داخل مجاله، وإنما صار يتصرف على نحو يثير حساسية السيادة الموريتانية ويدخل المجتمعات الحدودية في حالة توتر دائم.

فقد تداولت مصادر موريتانية وتقارير إعلامية إقليمية وقائع تتعلق بدخول وحدات مالية إلى قرى حدودية يسكنها موريتانيون، وبممارسات تسببت في بث الرعب بين السكان، في سياق يختلط فيه هاجس المطاردة الأمنية بسوء تقدير المجال والسيادة وحدود الاشتباك.

وفي هذا الإطار، أعلنت وسائل إعلام موريتانية محلية أن الجيش المالي بدأ أمس عمليات تفكيك لهوائيات اتصالات تابعة لمشروع موريتاني رسمي في قرى حدودية بمقاطعة أطويل في ولاية الحوض الغربي، شملت هوائيات في كتول وكليب اللاغو ببلدية الصط، في أحدث استفزاز ميداني يفاقم التوتر بين الجانبين.

وبحسب هذه التقارير، جاء ذلك بعد أيام قليلة من دخول وحدة عسكرية مالية إلى قرى في مقاطعة كوبني ذات حضور موريتاني سكاني واضح.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه المعطيات واردة في تقارير محلية موريتانية حديثة، وليست موثقة، حتى الآن، ببيان رسمي مالي أو موريتاني تفصيلي منشور على نطاق واسع.

ومع ذلك، فقد اكتسبت أهمية سياسية وإعلامية كبيرة بالنظر إلى توقيتها ودلالتها الحدودية.

وفي حادثة أخرى زادت من منسوب الارتياب، أعلنت السلطات المالية سابقا أن جنديين ماليين كانا محتجزين لدى جماعات مسلحة داخل الأراضي الموريتانية.

غير أن نواكشوط نفت ذلك بشدة، واعتبرته ادعاء لا أساس له، قبل أن تتراجع باماكو عنه.

وقد أظهر ذلك مقدار التوتر وسرعة انزلاق الاتهامات غير المضبوطة إلى المجال العلني، بما يضعف الثقة ويزيد صعوبة إدارة الحدود المشتركة.

كما بث التلفزيون المالي الرسمي، في سياق مواز، رواية عن توقيف شاحنتين قادمتين من موريتانيا ومحملتين بدراجات نارية وكميات من الوقود وأجهزة اتصال.

وسواء ثبتت خلفيات هذه الواقعة أو ظلت محل جدل، فإن الأهم سياسيا هو أنها تكشف انتقال الشك المالي من مستوى التوجس الأمني العام إلى مستوى الإيحاء بوجود خطوط إمداد عابرة للحدود.

وهذا منطق، إن ترك بلا تدقيق وشفافية، يحول المجال الحدودي إلى فضاء اتهام دائم، ويقوض ما بقي من الثقة بين دولتين يفترض أنهما في خندق واحد ضد التهديدات المسلحة.

وفي امتداد لهذا المشهد، دخلت العلاقات المالية الجزائرية طورا من التصعيد الحاد، بعد أن كانت تمثل، لعقود، ركيزة التوازن في الملف المالي.

فالعلاقة بين مالي والجزائر، التي قامت طويلا على الوساطة والاحتواء ورعاية مسارات التسوية في الشمال، دخلت منذ 2024 طورا صداميا صريحا.

وقد اتهم نظام العقيد عاصيمي غويتا الجزائر بدعم من سماهم الإرهابيين، وأعلن وقف العمل باتفاق السلم والمصالحة الذي وقع في الجزائر سنة 2015، في انقلاب سياسي كامل على الإطار الذي ظل لسنوات مرجعية التعامل مع ملف الشمال.

ثم جاءت حادثة الطائرة المسيرة لتدفع التوتر إلى مستوى غير مسبوق.

ففي مطلع أبريل 2025، أعلنت الجزائر أنها اعترضت ودمرت طائرة استطلاع مسلحة بدون طيار قالت إنها اخترقت مجالها الجوي قرب تنزواتين.

وردت مالي باتهام الجزائر بإسقاط طائرة مراقبة تابعة لها قرب الحدود، قبل أن تقدم مالي والنيجر وبوركينا فاسو على سحب سفرائها من الجزائر، في خطوة تعكس حجم الانكسار الذي أصاب العلاقة بين الطرفين.

وزاد من عمق هذا الشرخ أن الخارجية الجزائرية لم تكتف بالنفي، بل اتهمت سلطات باماكو بمحاولة جعل الجزائر كبش فداء لإخفاقاتها الداخلية، معتبرة أن السلطة العسكرية في مالي تصرف الأنظار عن أزماتها عبر تصدير التوتر إلى الخارج.

وبذلك انتقلت العلاقة من خلاف حول مقاربة الأمن في الشمال إلى معركة سرديات وسيادة وشرعية إقليمية.

وهو تطور بالغ الدلالة، لأن الجزائر كانت تاريخيا اللاعب الأكثر ثقلا في هذا الملف.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.

ففي 10 أبريل 2026 أعلن وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب دعم بلاده لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء تحت السيادة المغربية، ووصفت الخارجية المالية هذا المقترح بأنه الأساس الجاد والموثوق الوحيد للتسوية.

وقد عد هذا التحول، في جوهره، إدارة ظهر واضحة للجزائر، ليس فقط لأن الجزائر داعم رئيسي للبوليساريو، وإنما أيضا لأن الخطوة المالية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وفي سياق تراكم الخصومة مع الجزائر.

ولم تكن السنغال بمنأى عن هذا التدهور.

فالتحركات الجهادية في غرب مالي، ولا سيما في إقليم كاي ومحيط ديبولي، دفعت داكار إلى تعزيز وجودها الأمني في شرق البلاد.

وفي أبريل 2026 دشنت السلطات السنغالية ثلاث نقاط دعم جديدة لقوة GARSI 2 في منطقة ساراي بإقليم كيدوغو، في خطوة تعكس إدراكا سنغاليا بأن الخطر لم يعد نظريا أو بعيدا، وإنما بات ملاصقا للحدود الشرقية، خاصة مع تسجيل حوادث استهدفت البنية الأمنية وحركة النقل قرب ديبولي، على بعد مسافة قصيرة من الحدود السنغالية.

وهكذا تبدو مالي اليوم دولة تنتج حولها أحزمة متلاحقة من القلق.

فالجزائر تنظر إليها بوصفها سلطة عسكرية تصعد للهروب من أزماتها.

وموريتانيا تتعامل معها باعتبارها مصدر تهديد حدودي يفرض الحذر من دون الانجرار إلى المواجهة.

والسنغال تعزز دفاعاتها لأن نار الغرب المالي اقتربت من تخومها.

أما داخل مالي نفسها، فإن الجماعات المسلحة تواصل التمدد، والجيش يواصل الاستنزاف، والدولة تواصل الانكماش من الأطراف نحو المركز.

وإذا انتقلنا من الوصف إلى التحليل، فإن مآلات الوضع في مالي، في ظل هذه السياقات المتداخلة، تبدو مفتوحة على ثلاثة احتمالات رئيسية.

أولها استمرار الاستنزاف الطويل، وهو السيناريو الأرجح على المدى المنظور.

ففي هذا السيناريو لا ينهار المركز كليا، لكنه يفقد تدريجيا مزيدا من المجال، وتزداد كلفة الحرب على الاقتصاد والمجتمع والعلاقات الإقليمية، وتتحول الدولة إلى سلطة ممسكة بالعاصمة وبعض المراكز، لا بفضائها الوطني كله.

وثانيها التشظي الوظيفي.

والمقصود به بقاء اسم الدولة ومؤسساتها قائما من الناحية الرسمية، مع تعدد سلطات الأمر الواقع على الأرض، بين جهاديين، وحركات محلية، وقوى أجنبية، وشبكات تهريب، وهو ما يكرس سيادة منقوصة مزمنة، ويحول الدولة إلى غطاء قانوني لمجال موزع النفوذ.

أما ثالثها، فهو الاحتواء النسبي المشروط.

وهو احتمال يظل قائما من الناحية النظرية، لكنه يحتاج إلى ما هو غير ظاهر حتى الآن: مراجعة داخلية عميقة في باماكو، وتهدئة حقيقية مع الجوار، وإعادة بناء الثقة مع المجتمعات المحلية، ومقاربة أمنية لا تكتفي بالعنف الخشن، وإنما تربط الأمن بالحكم والشرعية والخدمات والوساطة.

غير أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في ما قد تخسره مالي من مجالها الداخلي، وإنما في ما قد تخسره المنطقة بسببها.

فحين تتحول دولة محورية في الساحل إلى مصدر قلق متزامن للجزائر وموريتانيا والسنغال، وتفقد تدريجيا قدرتها على تبريد حدودها، فإن الأزمة تغدو أبعد من كونها حربا ضد جماعات مسلحة.

إنها، في جوهرها، أزمة دولة فقدت القدرة على تنظيم علاقتها بأطرافها وبجوارها في وقت واحد.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع مالي أن تنتصر عسكريا؟

بل: هل تستطيع أن تستعيد معنى الدولة قبل أن تتحول حدودها كلها إلى جبهات، ويتحول جوارها كله إلى حزام احتواء وخوف وانتظار؟

عالي أحمد سالم

كاتب ومحلل صحفي متخصص في الشؤون الأمنية لمنطقة الساحل