النظام الحاكم وخطر الدائرة الاجتماعية الضيقة/ عالي محمد ولد أبنو

أربعاء, 04/22/2026 - 13:03

 

في قراءة دقيقة للوقائع، يقول التاريخ إن محمد ولد عبد العزيز، خلال أحد عشر عاما من حكم موريتانيا، لم يفرض حظر التجوال ولو لليلة واحدة. وهي حقيقة ذات وزن ومعنى عميق، في حين اعتادت الأنظمة الضعيفة والمهزوزة الثقة والمرتبكة أن تجعل من هذا الإجراء أول رد فعل عند كل اهتزاز أمني أو سياسي. 
لقد وصل محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة في ظرف دولي بالغ القسوة، مثقل بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لسنتي 2008–2009. ومع ذلك، سجلت المؤشرات الداخلية قدرا من التحسن؛ إذ جاء قراره الأول بخفض أسعار الوقود، ثم اتجه إلى معالجة ملف الأحياء العشوائية لا بمنطق الهدم والتغطرس، بل عبر تقسيم الأراضي واستصلاحها ما أمكن، في مقاربة جمعت بين التنظيم والتوسعة. وفي السياق نفسه، سعى إلى ضبط كلفة المواد الأساسية، فظلت الأسواق ممونة دون انقطاع، ولم تسجل حالات اختفاء لمواد حيوية أو أدوية أساسية. كما أطلق دكاكين أمل كآلية تدخل اجتماعي لكسر الاحتكار، وتخفيف الضغط عن الفئات الهشة، وفرض قدر من الانضباط السعري على التجار. كما شهد عهده ما يمكن توصيفه، دون مبالغة إنشائية، بطفرة نسبية في مسارات العدالة الاجتماعية وتحديث الإدارة، مقارنة بما كان سائدا قبله.
ويُسجل له التاريخ، كذلك، أنه لم يُساوم على الدولة تحت ضغط القرب الاجتماعي، بل دخل في صدام مباشر مع عدد من كبار رجال أعمال محيطه الاجتماعي والمحيط الاجتماعي لزوجته الذين التفوا حوله عند وصوله إلى السلطة، ظنا منهم أن مفاتيح الدولة قد آلت إليهم وأن خيراتها فتحت لهم هذه المرة بلا قيد. غير أن تلك الحسابات سرعان ما اصطدمت بواقعٍ مغاير، فأفضى ذلك إلى مواجهات حادة وممتدة، شملت حتى بعض أقاربه من ذوي النفوذ الاقتصادي، الذين لم يستسيغوا ما رأوه تضييقا على امتيازاتهم. وكان ذلك انقلابا على نمط مألوف في عهود سابقة، حيث اعتاد هؤلاء معاملة تُيسر لهم الولوج وتُمهد لهم المسارات، ولا سيما من نسجوا شراكات مع دوائر نافذة داخل القصر في الأنظمة التي سبقته.
بالتوازي، لم تكن سنواته الأولى هادئة؛ هجمات إرهابية ومعارك داخل وخارج الحدود واحتجاجات سياسية متواصلة، وربيع عربي منفلت يتطاير شرره على القريب والبعيد، وتهديدات أمنية فعلية في محيط إقليمي مضطرب. ومع ذلك، لم تتحوّل هذه الضغوط إلى سياسة ممنهجة لقمع الخصوم عبر الاعتقال السياسي أو تقييد الحركة العامة. بل اختار مقاربة تقوم على الحضور الميداني المباشر، من خلال زيارات مفاجئة للأحياء الشعبية، في مسعى لمعاينة الواقع دون وسائط بيروقراطية، والإطلالات الإعلامية من وقت لآخر. وعلى المستوى العمراني، عرفت نواكشوط ومدن الداخل توسعا لافتا، وتراجعا ملموسا للأحياء العشوائية عبر توزيع القطع الأرضية وإعادة تنظيم المجال الحضري، لا عبر الهدم القسري الذي غالبا ما يُفاقم الهشاشة الاجتماعية بدل معالجتها ويؤجج الغليان الشعبي حتى لو لم يؤدي مباشر إلى النزول للشارع.
هذه المعطيات، بمعزل عن المواقف والانحيازات، تضع تلك المرحلة ضمن التجارب التي تستوجب تقييما واقعيا بعيد عن العواطف والانطباعات اللحظية والتخندقات، يزن الكلفة والعائد، ويُقارب النتائج بعيدا عن منطق التقديس أو الإدانة المسبقة، ولا التملق أو الشيطنة.

غير أن هذه القراءة نفسها تُفضي إلى خلاصة مقلقة في الوقت الحاضر؛ فالخطر الأشد على أي سلطة لا ينبع دائما من معارضيها، بل يتسرب من دائرتها الأقرب. حين يقترن ضعف الكفاءات بطمع منفلت، ويجتمع شغف السلطة مع نهم غير مسبوق لاحتكار المال والمناصب لدائرة اجتماعية ضيقة، يتحول القرب الاجتماعي من مركز القرار إلى رافعة نفوذ لا إلى أداة انضباط، فتبدأ عملية تقويض صامتة من الداخل. وحينها يتكون حنق شعبي قد لا يثور فورا، بل يظل جمرة كامنة تحت الرماد، ينتظر لحظته.
إن الدول الهشة لا تحتمل هذا القدر من الارتجال ولا هذا الاندفاع في التموقع؛ فهي لا تُدار بالرغبات والميولات، بل بالدقة والانضباط. وأي تساهل مع هذه الاختلالات لا يراكم إلا كلفة مؤلمة مؤجلة الدفع، يقترب استحقاقها كلما ازداد ارتباك القرار، وتوسع التضييق على المواطنين، وترسخ تمكين المقربين. عندها تتآكل الثقة، وتنكشف دروع الدولة وتنهار مناعتها، ويغدو الانكشاف العام والسقوط مسارا لا رجعة فيه.

باريس - 21 ابريل 2026