*حوار موريتانيا المؤجل: حين تصير الثقة جسراً أو جداراً*

سبت, 05/02/2026 - 19:36

 

في السياسة، كما في الحياة، ثمة لحظات تتوقف فيها العقارب لا لأن الزمن انتهى، بل لأن الأيدي اختلفت على اتجاه الدوران. هذا هو حال الحوار الوطني الموريتاني اليوم. علق، لا بسبب غياب القضايا، بل بسبب حضور الهواجس. علق عند جملة واحدة رفعتها المعارضة: "لا نقاش في مأمورية ثالثة". 
لكن المفارقة أن رأس الدولة نفسه قطع الشك باليقين. *الرئيس بيّن في أكثر من مناسبة عدم عزمه الترشح مرة أخرى*، مؤكداً احترامه للدستور ولقاعدة المأموريتين. يكفي أن نذكر بذلك الموقف لندرك أن العقدة ليست في النية، بل في الثقة.
أولاً: من شبح المادة إلى شبح الشك
لم تكن "المأمورية الثالثة" يوماً بنداً في جدول الأعمال الرسمي. كانت ظلاً. والظلال، حين يسكنها الخوف، تصير أكبر من الأجسام. 
المعارضة قرأت تاريخ القارة. رأت كيف تبدأ القصة بتعديل فقرة وتنتهي بإلغاء جمهورية. لذلك أرادت تحصين الحوار قبل بدئه، كمن يطلب قفل الباب قبل أن يدخل الضيوف. 
والموالاة، في المقابل، رأت في الشرط المسبق إهانة لنية لم تُعلن، ومصادرة لحق النقاش في دولة تدعي أنها تصنع قرارها بالكلام. فصار الشرط نفسه موضوعاً، وضاع الموضوع.
وهكذا، وقفنا جميعاً عند العتبة، نناقش لون الباب ونسينا البيت الذي يتآكل من الداخل.
ثانياً: لماذا لا نملك ترف الانتظار
الحوار ليس طقساً بروتوكولياً نؤديه إذا صفا المزاج. هو ضرورة بقاء. انظر حولك: 
الاقتصاد يسأل الغاز على الأبواب، والشباب على الأرصفة. كيف نقسم الأمل دون أن نقسم البلد؟ هذا سؤال لا تجيب عنه البيانات المنفردة.
الذاكرة لم تشف ملف الوحدة الوطنية، والعبودية، والإرث الإنساني، ما زال جرحاً مفتوحاً. لا يضمد الجرح إلا من يعترف به، والاعتراف لا يتم إلا على طاولة واحدة.
الحدودتشتعل من أزواد إلى حوض النيجر، الحريق يقترب. والانقسام الداخلي هو الحطب الجاف الذي ينتظره.
تأجيل الحوار يعني تأجيل الدولة. والفراغ لا يبقى فراغاً، يملؤه اليأس أو يملؤه التطرف
إذا كان الرئيس قد حسم أمره وأعلن زهده في المأمورية الثالثة، فلماذا يبقى الملف حجر عثرة؟ لأن السياسة لا تُدار بالنوايا وحدها، بل بالضمانات. والضمانة هنا لا تحتاج معجزة.            
ثالثا : من كسر العظم إلى بناء الثقة
المخرج بسيط وعميق في آن واحد
نتفق أن يبدأ الحوار بالملفات العاجلة: قانون الانتخابات، اللجنة المستقلة، الحريات، العدالة الاجتماعية. نؤجل ما اختلفنا عليه إلى جولة ثانية بعد أن نستعيد طعم الاتفاق. الثقة تُبنى بالتراكم، لا بالشروط.                     
رابعا: الحوار فضيلة الشجعان
أخطر ما في تعليق الحوار ليس التعليق ذاته، بل ما يصنعه في الوعي الجمعي. أن نعتاد أن كل خلاف ينتهي بالانسحاب. أن نتعلم أن كسر الطاولة أسهل من ترتيب الكراسي. 
الدول لا تنهار فجأة. تنهار حين يصير الحوار سبّة، والتنازل خيانة، والوسطية تفريط. موريتانيا دفعت في 1978 و2005 و2008 ثمن غياب الكلام. ألا يكفي ذلك لنعرف قيمة الكلمة؟
التاريخ لا يذكر من رفض الجلوس. يذكر من جلسوا وهم على خصام، فصنعوا وطناً من رماد.
الرئيس أعلن موقفه. انتهى. فليكن هذا الإعلان بداية، لا نهاية. بداية لاستعادة الثقة، لا ذريعة لتعليق الأمل.
موريتانيا أكبر من شخص، وأبقى من مأمورية، وأعمق من شرط. 
إذا كان الخوف من التمديد هو ما يعطل الحوار، فلنبدد الخوف بالقانون، لا بتعطيل القانون.  
وإذا كان الحوار هو ما يخيفنا، فلنتذكر أن البديل عنه ليس الصمت، بل الضجيج. وضجيج الأوطان حين يعلو، لا يسمع فيه صوت
 أحد.
فلنجلس. لا لأننا متفقون، بل لأننا قررنا أن خلافنا يجب أن يبقى حياً، كي تبقى موريتانيا حية.
محمد فال واياهي رئيس حزب الاتحاد من أجل التخطيط للبناء