مقالات احمد شعبان يكتب : قراءة في العدد العاشر من مجلة “العرب الدولية” .. حين يتحول خطاب الرحمة إلى مشروع عالمي

أحد, 05/10/2026 - 07:11

 

يُعد صدور العدد العاشر من مجلة العرب الدولية محطة مهمة في مسار الإعلام الفكري العربي، ليس فقط بسبب تنوع موضوعاته واتساع نطاقه الدولي، بل لأنه يعكس بوضوح انتقال الخطاب العربي من دائرة الانغلاق المحلي إلى فضاء إنساني عالمي يقوم على الحوار والتواصل وبناء الجسور بين الثقافات.

ويبرز هذا التوجه بوضوح من خلال افتتاحية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان:
«وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»،
وهي ليست مجرد مقالة افتتاحية، بل إعلان فكري متكامل يعيد تعريف جوهر الرسالات السماوية بعيدًا عن الاستخدامات السياسية والمذهبية التي شوّهت صورة الدين عبر قرون طويلة.

فالطرح الذي يقدمه الشرفاء الحمادي يعيد مركزية الإنسان إلى قلب الرسالة الإلهية، مؤكدًا أن الغاية من الدين ليست الهيمنة ولا الصراع ولا صناعة الكراهية، بل بناء مجتمعات يسودها العدل والأمن والتكافل والرحمة. وهنا تتجلى أهمية هذا الخطاب في زمن تتصاعد فيه النزعات العنصرية والتعصب والصراعات العابرة للحدود.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا العدد هو الربط بين الفكر والحركة على أرض الواقع؛ فالمجلة لم تكتفِ بعرض أفكار نظرية، بل رصدت كيف تحولت “رسالة السلام” إلى مشروع دولي يتحرك داخل الجامعات والمؤسسات والمجتمعات المختلفة، خاصة في آسيا.

ويظهر ذلك بوضوح في الملف الرئيسي: «رسالة السلام تكتب فصلًا جديدًا في آسيا»،
الذي وثّق الجولة الفكرية والثقافية لوفد مؤسسة رسالة السلام العالمية في إندونيسيا وماليزيا، وهي جولة يمكن اعتبارها بداية مرحلة جديدة في تصدير الخطاب القرآني المعتدل إلى العالم الإسلامي خارج الإطار العربي التقليدي.

فالاستقبال الرسمي والشعبي الكبير الذي حظي به الوفد، والاهتمام الأكاديمي المتزايد بأفكار الشرفاء الحمادي، يعكسان وجود تعطش حقيقي داخل المجتمعات الإسلامية لخطاب ديني مختلف، يعيد تقديم الإسلام باعتباره رسالة سلام ورحمة وتعارف إنساني، لا مشروع صراع وهيمنة.

كما أن إنشاء مركز الشرفاء الحمادي للدراسات القرآنية واللغة العربية داخل جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية يمثل خطوة استراتيجية تتجاوز الطابع الرمزي، لأنه يؤسس لوجود أكاديمي دائم يمكن أن يسهم في إعادة بناء الدراسات القرآنية على أساس علمي ومنهجي جديد.

واللافت كذلك أن المجلة حرصت على إصدار العدد بعدة لغات عالمية، وهو تطور شديد الأهمية، لأنه ينقل الخطاب الفكري العربي من دائرة التلقي المحلي إلى دائرة التأثير الدولي، ويعكس إدراكًا بأن معركة الوعي اليوم لم تعد محصورة داخل الحدود الجغرافية، بل أصبحت معركة عالمية تتعلق بصورة الإنسان والدين والحضارة.

كما نجح العدد في الربط بين الفكر والثقافة والإدارة والتعليم والإعلام، من خلال تقاريره عن أكاديمية السادات وبرنامج “بالوعي”، ودراساته حول إفريقيا والممرات التجارية، ليقدم صورة شاملة تؤكد أن النهضة الحقيقية لا تقوم على جانب واحد، بل على تكامل الوعي والمعرفة والإدارة والقيم.

إن هذا العدد من “العرب الدولية” لا يقدم مجرد أخبار أو تقارير، بل يعكس محاولة جادة لصياغة خطاب عربي جديد:

أكثر انفتاحًا على العالم،

وأكثر ارتباطًا بالقيم الإنسانية،

وأكثر قدرة على تجاوز الانقسامات التقليدية،

وأكثر إيمانًا بأن السلام الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان ووعيه.

وفي ظل ما يشهده العالم من اضطراب فكري وأخلاقي وسياسي، تبدو مثل هذه المشاريع الفكرية والثقافية ضرورة حضارية، لا مجرد نشاط إعلامي عابر.

المقال السابق

انطلاق فعاليات "يوم الثقافة اليابانية" بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية

المقال