إختناق المشهد السياسي وخطر تهميش الطبقة السياسية / محمد ولد الشيخ عبد الله باحث في السياسة ومقيم في إسبانيا

جمعة, 05/29/2026 - 16:39

 

تعيش كثير من الدول في محيط إقليمي ودولي مضطرب، حيث تتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتزداد هشاشة المجتمعات أمام الشائعات، والاستقطاب، وسوء التسيير. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قوة الدولة مرتبطة بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، لا على الاعتماد على أصوات المديح العابرة، ولا على جماعات التصفيق التي تحيط بمن يحكم وتُبعد عنه الرأي الصادق والنصيحة المسؤولة.

إن من أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي هو الاختناق السياسي؛ أي تضييق الفضاء العام، وتهميش الطبقة السياسية الجادة، حتى لو كانت موالية أو داعمة للنظام. فالموالاة الحقيقية لا تعني التصفيق الدائم، ولا تبرير الأخطاء، ولا تحويل العمل السياسي إلى سباق في المدح. الموالاة الوطنية هي التي تساعد الحاكم على رؤية الواقع كما هو، وتنبهه إلى مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات.

ومن هنا، فإن الاعتماد المفرط على جماعات من المطبلين يشكل خطراً على الدولة قبل أن يشكل خطراً على السلطة. فالمطبل لا ينقل الحقيقة، بل ينقل ما يظن أن الحاكم يريد سماعه. ومع الوقت، يتشكل حول مركز القرار حاجز نفسي وسياسي يمنع وصول الصوت الصادق، وتُهمش الكفاءات، وتضعف الأحزاب، ويتراجع دور المنتخبين والوجهاء وأصحاب التجربة. وعندئذ تفقد الدولة إحدى أهم آليات التوازن والإنذار المبكر.

إن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بما عُرف عنه من هدوء وحكمة وتجربة في إدارة الدولة، مدعو اليوم إلى الانتباه أكثر إلى هذه المسألة. فموريتانيا تحتاج في هذه المرحلة إلى تقوية المؤسسات، وترسيخ قواعد الاستمرارية، وضمان أن تبقى الدولة قوية بعد الأشخاص وفوق المصالح الضيقة. فالدول لا تدوم بالمجاملات، وإنما تدوم بالمؤسسات، وبالعدالة، وبالإدارة الرشيدة، وبفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية الصادقة.

إن المحيط الذي نعيش فيه مضطرب، والمجتمع نفسه أصبح أكثر تشتتاً بفعل الأزمات الاقتصادية، والقبلية، والجهوية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وضعف الثقة في الإدارة. وكل طرف يبحث عن الثغرات ليستغلها: هذا يستغل الهشاشة الاجتماعية، وذاك يستغل سوء التسيير، وآخر يستثمر في ضعف الوساطة السياسية. ولذلك فإن العلاج لا يكون بالمزيد من الإقصاء، بل ببناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والطبقة السياسية، وبين الإدارة والمواطن.

إن المطلوب ليس إضعاف النظام، بل تحصينه. وليس المطلوب فتح الباب للفوضى، بل فتح الباب للنصيحة، والمشاركة، والمسؤولية. والمطلوب أيضاً إعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد، حتى لا يصبح المشهد محصوراً بين معارضة غاضبة وموالاة مصفقة، بينما تضيع الكفاءات الوطنية التي تستطيع أن تقدم الرأي والخبرة والمبادرة.

إن بقاء الدولة وديمومتها يفرضان اليوم التفكير في مؤسسات قوية، وأحزاب حقيقية، وإدارة عادلة، ورقابة فعالة، وحوار وطني لا يُختزل في المناسبات. فالرئيس القوي هو من يحيط نفسه بمن يقول الحقيقة بأدب، لا بمن يصفق بلا وعي. والدولة القوية هي التي تسمع أبناءها قبل أن تسمع ضجيج الأزمات.

ولهذا، فإن اللحظة تستدعي مبادرة سياسية هادئة وشجاعة، تعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والطبقة السياسية، وتفتح المجال أمام أصحاب الرأي والكفاءة، وتضع مصلحة الدولة فوق منطق الولاء الشكلي. فموريتانيا، في هذا الظرف الدقيق، تحتاج إلى رجال دولة، لا إلى جوقة مديح؛ وتحتاج إلى مؤسسات، لا إلى شبكات مصالح؛ وتحتاج إلى وعي سياسي يحمي المستقبل قبل أن يفاجئنا الحاضر بأزماته