
في زمن تتكاثر فيه صور الصراع، وتتسع فيه دوائر الكراهية وسوء الفهم بين الشعوب، يبرز المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي بوصفه صاحب مشروع فكري وتنويري يسعى إلى إعادة قراءة رسالة الإسلام من منبعها الأول، والعودة إلى كتاب الله العزيز باعتباره المرجعية الأساسية لفهم الدين، بعيدًا عن القراءات التي أسهمت في تكريس العنف أو الانقسام أو الخصومة بين البشر.
ولا ينطلق مشروع الشرفاء الحمادي من مجرد سجال فكري عابر، بل يقوم على رؤية ترى أن الإسلام في جوهر رسالته دعوة إلى السلام والمحبة والعدل والرحمة وصون كرامة الإنسان، وأن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للصراع، بل إلى مساحة للتعارف والتعاون والتدافع بالتي هي أحسن.
القرآن مرجعية للتنوير والسلام
من أبرز مرتكزات الرؤية التي يطرحها الشرفاء الحمادي الدعوة إلى العودة إلى القرآن الكريم، وقراءته باعتباره خطابًا إلهيًا يحمل منظومة متكاملة من القيم التي تؤسس لحياة إنسانية أكثر أمنًا وعدلًا وسلامًا.
فالقرآن، في هذه الرؤية، لا يقدم الإنسان على أساس انتمائه العرقي أو القومي أو الاجتماعي، وإنما يخاطبه باعتباره إنسانًا مكرمًا، ويؤسس لعلاقة تقوم على العدل والإحسان واحترام الآخر، وعلى الحوار بالحكمة والمجادلة بالتي هي أقوم.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع التنويري الذي يطرحه الشرفاء الحمادي؛ إذ يسعى إلى تحرير الخطاب الديني من القراءات التي جعلت من الاختلاف مصدرًا للعداء، وإبراز الوجه الحضاري والإنساني للإسلام، باعتباره رسالة رحمة وسلام للبشرية جمعاء.
من خطاب الصراع إلى ثقافة السلام
الرهان الأكبر في هذا المشروع هو الانتقال من ثقافة الصدام إلى ثقافة الحوار، ومن منطق الإقصاء إلى منطق التعايش، ومن توظيف الدين في صناعة الخصومة إلى توظيف قيمه في صناعة السلام.
وهنا تبرز أهمية مفهوم "المجادلة بالتي هي أقوم"؛ فالحوار في التصور القرآني ليس معركة لإسقاط الآخر، وإنما وسيلة للوصول إلى الحقيقة، واحترام العقل، وتقريب المسافات بين المختلفين.
إن نشر هذه الثقافة في عالم مضطرب يحتاج إلى جهود تتجاوز حدود الكتب والمقالات، لتتحول إلى مشروع إنساني عابر للحدود، وهو ما يفسر أهمية فكرة رسل السلام الذين يحملون رسالة تقوم على نشر قيم التسامح والتفاهم والمحبة بين الشعوب.
مؤسسة السلام للأبحاث والتنوير.. الفكرة تتحول إلى رسالة
وتكتسب هذه الرؤية بعدًا عمليًا من خلال مؤسسة السلام للأبحاث والتنوير وما يرتبط بها من جهود تهدف إلى نشر الفكر التنويري وتعزيز ثقافة السلام.
فالمؤسسات الفكرية لا تقاس فقط بعدد ما تنتجه من نصوص، وإنما بقدرتها على تحويل الأفكار إلى وعي اجتماعي وثقافة عامة وسلوك إنساني. ومن هذه الزاوية، فإن مشروع السلام والتنوير يمثل محاولة لبناء جسور بين الفكر والمجتمع، وبين المعرفة والممارسة، وبين النص الديني والقضايا الإنسانية المعاصرة.
كما أن فكرة انتشار رسل السلام حول العالم تمنح المشروع بعدًا دوليًا؛ لأن السلام ليس قضية تخص مجتمعًا بعينه، وإنما حاجة إنسانية مشتركة. وكلما اتسعت دائرة الحوار، تراجعت مساحات التعصب والكراهية، وأصبح الاختلاف فرصة للتعارف بدل أن يكون مقدمة للصراع.
مواجهة الصورة المشوهة عن الإسلام
في عالم أصبحت فيه بعض الجماعات المتطرفة تستغل النصوص الدينية لتبرير العنف، تزداد الحاجة إلى خطاب فكري قادر على التمييز بين الإسلام كرسالة إلهية وبين بعض الممارسات والتفسيرات البشرية التي قد تتعارض مع قيم الرحمة والعدل والسلام.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع التنويري للشرفاء الحمادي، الذي يضع القرآن في مركز النقاش، ويدعو إلى استعادة القيم الكبرى التي تجعل من الدين قوة للبناء لا للهدم، وللتقارب لا للتنافر، ولحماية الإنسان لا لاستباحته.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الأديان والشعوب، وإنما بين ثقافة السلام وثقافة الكراهية، وبين خطاب يفتح أبواب الحوار وخطاب يغلقها باسم الدين أو العرق أو السياسة.
مفكر يحمل مشروعًا يتجاوز الحدود
إن قيمة المفكر لا تكمن فقط في قدرته على إنتاج الأفكار، وإنما في قدرته على طرح أسئلة تتجاوز اللحظة الراهنة، وتلامس مستقبل الإنسان.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة علي محمد الشرفاء الحمادي باعتبارها محاولة لفتح نقاش واسع حول سؤال جوهري: كيف يمكن استعادة البعد الإنساني العالمي في رسالة الإسلام، وجعل قيم القرآن مصدرًا للسلام والتعايش بدل أن تكون مادة للصراع؟
وهو سؤال يتجاوز الجغرافيا العربية والإسلامية، لأنه يتعلق بمستقبل العلاقات بين البشر في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب جامع يرفض الكراهية ويؤمن بالحوار ويجعل الإنسان محورًا للسلام.
رسالة إنسانية في مواجهة عالم مضطرب
لقد أصبح السلام اليوم مشروعًا يحتاج إلى مفكرين ومؤسسات ومبادرات وأفراد يؤمنون بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا، وأن المعرفة يمكن أن تكون علاجًا للتعصب، وأن الحوار يمكن أن يطفئ الكثير من الحرائق التي تشعلها الجهالة وسوء الفهم.
وفي هذا السياق، يمثل مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي، من خلال رؤيته التنويرية ودعوته إلى العودة إلى كتاب الله، محاولة لإعادة تقديم الإسلام باعتباره رسالة رحمة وعدل وسلام ومحبة، وإطلاق خطاب قادر على مخاطبة الإنسان أينما كان، بعيدًا عن الحواجز التي صنعتها السياسة أو العصبية أو القراءة المنغلقة.
إن انتشار رسل السلام المنضوين تحت سقف مؤسسة السلام للأبحاث والتنوير يمكن أن يشكل، متى اقترن بالعمل العلمي والحوار المفتوح واحترام التنوع، رافدًا من روافد الدبلوماسية الإنسانية؛ فالعالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الجدران، وإنما يحتاج إلى مزيد من الجسور.
وفي المحصلة، فإن الرهان الحقيقي لهذا المشروع هو أن يصبح السلام ثقافة، والقرآن مصدرًا للتنوير، والحوار وسيلة للتفاهم، والاختلاف بابًا للتعارف، والإنسان قيمة لا يجوز أن تسقط أمام أي اعتبار آخر.
وهنا تكمن أهمية الدور الريادي الذي يحاول المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي أن يضطلع به: إعادة وضع رسالة الإسلام في فضائها الإنساني الرحب، وربط الخطاب الديني بقيم السلام والمحبة والعدل، وتحويل الفكر من مجرد كلام يُقرأ إلى رسالة تُمارس وتُحمل إلى الناس في مختلف أنحاء العالم.




