صراع الأجنحة في الحوض الشرقي.. بين الدعوة لاستمرار النهج ورفض المأمورية الثالثة ..

جمعة, 08/21/2026 - 13:45

يبدو أن النقاش السياسي داخل ولاية الحوض الشرقي بدأ يتخذ منحى أكثر دقة، في ظل تباين واضح في مواقف بعض الأجنحة والشخصيات السياسية من الدعوات المطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
فبينما اختارت شخصيات سياسية وازنة من وزراء  ومدراء وبعض المنتخبين  رفع شعار المطالبة بمأمورية ثالثة، برز في المقابل تيار آخر أكثر تحفظاً، اختار عدم الانجرار إلى هذا الخطاب، مفضلاً الحديث عن استمرار النهج ومواصلة الإصلاحات والبرامج دون الدخول في مطلب دستوري يثير جدلاً سياسياً وقانونياً.
ويعكس هذا التباين عمق التجاذب داخل الساحة السياسية في الحوض الشرقي، حيث لم تعد المسألة مجرد اختلاف في الشعارات، وإنما أصبحت تعبيراً عن رؤيتين مختلفتين لمستقبل المرحلة السياسية:

رؤية ترى أن استمرار النهج الذي أرساه الرئيس يمكن أن يتحقق من خلال تمديد سياسي، ورؤية أخرى ترى أن الحفاظ على تجربة الحكم ومكتسباتها لا يستدعي بالضرورة فتح ملف المأمورية الثالثة.
واللافت أن بعض الشخصيات ذات الحضور والوزن الاجتماعي والسياسي اختارت الصمت عن شعار المأمورية الثالثة، مع تأكيدها في الوقت نفسه على دعمها للاستقرار ومواصلة السياسات العامة للدولة. وهو موقف يمكن قراءته باعتباره محاولة للفصل بين دعم الإنجازات والنهج السياسي من جهة، والدعوة إلى تعديل قواعد التداول الدستوري من جهة أخرى.
وفي السياق نفسه، لم تقتصر التحفظات على بعض أجنحة الأغلبية، بل امتدت إلى قوى المعارضة السياسية التي أعلنت رفضها لفكرة المأمورية الثالثة، سواء عبر مؤسسة المعارضة أو من خلال ائتلافات وقوى سياسية معارضة، معتبرة أن احترام المدد الدستورية والتداول السلمي على السلطة يمثلان جزءاً أساسياً من استقرار النظام الديمقراطي.
كما أن بعض أحزاب الأغلبية نفسها أبدت تحفظاً على هذا النوع من الدعوات، واعتبرت أن فتح نقاش المأمورية الثالثة في هذه المرحلة قد يتحول إلى عنصر تشويش على برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ويصرف النقاش السياسي عن تقييم حصيلة العمل الحكومي ومتابعة تنفيذ البرامج التنموية.
ومن هنا، فإن ما يجري في الحوض الشرقي لا ينبغي اختزاله في مجرد صراع بين مؤيدين ومعارضين للمأمورية الثالثة، بل يمكن قراءته باعتباره صراعاً على اتجاه الخطاب السياسي للمرحلة المقبلة: هل يكون عنوانه المطالبة بالاستمرار الشخصي، أم استمرار النهج والمؤسسات والبرامج ضمن الأطر الدستورية القائمة؟
وقد يكون اختيار عدد من الشخصيات الوازنة عدم استخدام عبارة "المأمورية الثالثة"، مع تمسكها بالدعوة إلى استمرار النهج، مؤشراً على إدراك سياسي لحساسية الملف، وعلى رغبة في الحفاظ على مسافة من خطاب قد يفتح نقاشاً دستورياً وسياسياً واسعاً قبل أوانه.
وفي جميع الأحوال، يبقى الحوض الشرقي إحدى أهم الساحات السياسية في البلاد، وما يصدر عنها من مواقف وتحولات داخل أجنحتها السياسية سيظل محل متابعة، خصوصاً مع اقتراب مرحلة سياسية ستفرض على مختلف القوى إعادة ترتيب خطابها وتحالفاتها، والاختيار بين الدفاع عن حصيلة تجربة سياسية، أو تحويل هذا الدفاع إلى مشروع لاستمرار الشخص في الحكم.
وبين العبارتين فارق كبير؛ فالدعوة إلى استمرار النهج يمكن أن تستوعب تداول المسؤوليات وتجدد النخب، بينما تجعل الدعوة إلى المأمورية الثالثة النقاش مرتبطاً مباشرة بمسألة التعديل الدستوري وحدود الاستثناءات السياسية.
ولعل الموقف الأكثر اتزاناً في هذه المرحلة هو ترك تقييم التجربة للإنجازات والبرامج والمؤسسات، بعيداً عن تحويل المطالب السياسية إلى ضغوط قد تزيد من حدة الاستقطاب داخل الأغلبية أو تعمق صراع الأجنحة في الولايات، وفي مقدمتها الحوض الشرقي.