
مطلب الشارع الوطني
فخامة الرئيس، لم تعد قضية الكهرباء مجرد انقطاع عابر أو عطب فني يمكن تجاوزه ببيان اعتذار؛ فقد شهدت نواكشوط خلال يومين حريقين في محطتي تحويل للكهرباء، تسببا في اضطرابات واسعة في الخدمة. والأهم أنكم، بعد معاينتكم الميدانية، وجهتم بتحديد أسباب الحوادث والمسؤوليات واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع تكرارها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبصوت الشارع الموريتاني: هل نحن أمام أعطاب فنية فقط، أم أمام أزمة أعمق عنوانها غياب ثقافة الصيانة وضعف المسؤولية وخلل الأولويات؟
فالدولة التي تنفق على المشاريع والمنشآت، ثم تتركها تتآكل دون صيانة منتظمة، لا تعاني فقط من نقص الموارد، وإنما من خلل في طريقة إدارة المال العام. والصيانة ليست ترفاً إدارياً؛ بل هي حماية للاستثمار العمومي ومنع لانهيار المنشآت قبل انتهاء عمرها الافتراضي.
والمفارقة أن الدولة لديها أصلاً برامج ومؤسسات مخصصة للصيانة. فهناك مؤسسة لأشغال صيانة الطرق، كما أن وزارة التجهيز والنقل تتوفر على مديرية متخصصة في إعداد ومتابعة برامج صيانة البنى التحتية. وقد صادق مجلس الوزراء في يناير 2025 على برنامج لصيانة الشبكة الطرقية الوطنية للفترة 2025-2027.
إذن، المشكلة ليست دائماً في غياب المؤسسات أو النصوص، وإنما في مدى تنفيذها، ومراقبة المسؤولين عنها، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هنا، فإن احتراق محطتين للكهرباء يجب ألا ينتهي بإصلاح المحطتين وإعادة التيار فقط. المطلوب هو أن يكون الحريق جرس إنذار للدولة كلها: الكهرباء، المياه، الطرق، المنشآت الزراعية، المرافق الصحية، والمباني والمنشآت العمومية.
وإذا ثبت، بعد التحقيق الفني والقانوني، أن الإهمال أو التقصير أو سوء التسيير كان سبباً في وقوع هذه الكارثة، فإن المحاسبة يجب أن تطال المسؤول أياً كان موقعه. لا يكفي أن نحاسب الموظف الصغير على خطئه بينما ينجو المسؤول الكبير من نتائج فشل منظومة كاملة.
والشارع الموريتاني اليوم لا يريد خطابات جديدة، ولا يريد تحميل المسؤولية للظروف وحدها؛ إنه يريد أن يرى الدولة تستعيد هيبتها من خلال حماية المال العام والممتلكات العمومية.
وفي الوقت الذي تتآكل فيه بعض الطرق والمنشآت، ويعاني المواطن من ضعف الخدمات، يصبح من المشروع أن يُطرح سؤال صارخ حول الأولويات: كيف تستطيع بعض الإدارات أن تتحمل نفقات السيارات الفارهة والامتيازات والمظاهر الباذخة، بينما تعجز عن توفير الصيانة الدورية لمنشآت أنفقت عليها الدولة مليارات الأوقية؟
لا نتحدث هنا عن سيارة بعينها ولا عن مسؤول بعينه، وإنما عن ثقافة إنفاق عام يجب أن تخضع للمراجعة. فـ V6 وG-Class وغيرها من مظاهر الرفاه الإداري لا يمكن أن تكون أهم من محول كهربائي، أو شبكة مياه، أو طريق يربط مدينة بمقاطعة، أو منشأة عمومية تخدم آلاف المواطنين.
فخامة الرئيس، لقد أثبت حضوركم الميداني بعد الحريق أنكم تدركون حجم المسؤولية، وأنكم لا تريدون إدارة الأزمات من خلف المكاتب. وقد وجهتم بالفعل بتحديد الأسباب والمسؤوليات.
لكن الشارع ينتظر الخطوة الثانية: ماذا بعد تحديد المسؤوليات؟
هنا تحديداً يجب أن تبدأ مرحلة جديدة: افتحوا ملفات الصيانة، راجعوا عقود المنشآت، افحصوا سجل الأعطاب، دققوا في الأموال المخصصة للصيانة، وقارنوا بين ما دُفع وما أُنجز على الأرض.
من قصّر فليحاسب، ومن نهب المال العام فليواجه القانون، ومن فشل في إدارة مرفق حيوي فليترك مكانه للكفاءة.
موريتانيا لا تحتاج إلى المزيد من السيارات الفارهة بقدر حاجتها إلى محطات كهرباء آمنة، وشبكات مياه مستقرة، وطرق مصانة، ومنشآت عمومية لا تنتظر الكارثة حتى تتحرك الدولة.
لقد حان الوقت، فخامة الرئيس، لـ مسح الطاولة في ملف الخدمات والصيانة، لا انتقاماً من الأشخاص، وإنما إنقاذاً للمؤسسات.
فالقصاص الحقيقي ليس تصفية حسابات؛ القصاص الحقيقي هو إعادة المال العام إلى مكانه، والمسؤولية إلى أصحابها، والكفاءة إلى مواقعها، والصيانة إلى صميم عمل الدولة.
وموريتانيا اليوم لا تنتظر معجزة؛ إنها تنتظر فقط أن يشعر المواطن بأن هناك دولة ترى الخلل، وتعرف المسؤول عنه، وتملك الشجاعة لإصلاحه.




