
عامان من العمل الميداني.. من التحسيس والردع إلى التحفيز والرقمنة وضبط السرعة
لم تعد السلامة الطرقية في موريتانيا مجرد شعار يرفع في المناسبات أو حملات ظرفية تطلق عند ارتفاع عدد الحوادث، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً متقدماً من سياسة تنظيم قطاع النقل الطرقي، في مقاربة تجمع بين الوقاية، والتحسيس، والرقابة، والتنظيم، والردع، والتحفيز.
وفي قلب هذه المقاربة برزت سلطة تنظيم النقل الطرقي، بإشراف رئيسها الدكتور الحسن ولد محمد ولد عوان، وطاقمها الإداري والفني، باعتبارها إحدى المؤسسات التي تحملت مسؤولية تحويل السلامة الطرقية من مجرد توصيات إلى إجراءات عملية تمس السائق، والمركبة، وشركة النقل، والحمولة، وأوقات السفر، وسلوك مستخدمي الطريق.
وتظهر حصيلة ما أعلنته السلطة خلال عامي 2025 و2026 أن العمل لم يعد محصوراً في معالجة نتائج الحوادث، وإنما اتجه بصورة أكبر نحو منع أسبابها قبل وقوعها.
السلامة الطرقية.. فلسفة عمل وليست حملة موسمية
تقوم فلسفة السلطة على قناعة واضحة: أن الطريق الآمن لا تصنعه الإسفلتات وحدها، وإنما تصنعه منظومة متكاملة يكون فيها السائق المنضبط، والمركبة السليمة، والحمولة القانونية، والسرعة الآمنة، والرقابة الفعالة، والتوعية المستمرة، عناصر متكاملة.
وقد أكد رئيس السلطة في أكثر من مناسبة أن ترسيخ ثقافة السلامة الطرقية هو السبيل الأنجع للحد من حوادث المرور، داعياً الناقلين والنقابات والمهنيين ومختلف مستخدمي الطريق إلى توحيد جهودهم لحماية الأرواح والممتلكات.
وهذه الرؤية هي التي تفسر تعدد الأدوات التي اعتمدتها السلطة خلال الفترة الأخيرة، إذ لم تكتف بإجراءات الرقابة، وإنما فتحت في المقابل باب التحفيز والتقدير أمام السائقين وشركات النقل الملتزمة.
أولاً: التحفيز بدل الاقتصار على العقوبة ٠
من أهم التجارب التي كرستها سلطة تنظيم النقل الطرقي الجائزة السنوية لأفضل سائق وأفضل شركة نقل.
فالفكرة هنا تتجاوز التكريم البروتوكولي، لأنها تريد تحويل السلامة الطرقية إلى ثقافة تنافسية داخل قطاع النقل: السائق المنضبط يجب أن يجد من يقدره، والشركة التي تحترم معايير السلامة ينبغي أن تصبح نموذجاً يحتذى.
وفي يناير 2025 تم تكريم الفائزين بجائزة سنة 2024، حيث حصلت شركة «بيروك للنقل الحضري» على جائزة أفضل شركة نقل، بينما توج إبراهيم بيب وأحمد ولد إدوم بجائزة أفضل سائق في النقل الحضري والنقل البيني. وحصل الفائزون بالمركز الأول على مليوني أوقية قديمة لكل منهم، والثاني على مليون، والثالث على 500 ألف أوقية قديمة، إضافة إلى الدرع التكريمي للشركة الفائزة.
وفي أبريل 2026 واصلت السلطة النهج نفسه بتكريم الفائزين بجائزة سنة 2025، حيث توجت شركة AMS فياج بجائزة أفضل شركة نقل، فيما فاز المختار الحاج الحاج في النقل البيني وحامدو سليمان انضو في النقل الحضري بجائزة أفضل سائق. وحافظ نظام الجوائز المالية على منح مليوني أوقية قديمة للفائز الأول في كل فئة، ومليون للثاني، و500 ألف للثالث.
وهنا تكمن أهمية التجربة: السلطة لا تقول للسائق فقط: لا تسرع، وإنما تقول له أيضاً: إذا التزمت وانضبطت، فأنت تستحق التقدير والمكافأة.
ثانياً: مواجهة السرعة.. من النصيحة إلى الإجراء الملزم
لعل أبرز التحولات التي شهدها قطاع النقل خلال 2026 هو الانتقال إلى التعامل مع السرعة باعتبارها خطراً ينبغي التحكم فيه تقنياً، وليس فقط التحذير منه إعلامياً.
فقد ألزمت السلطة مركبات النقل العمومي للأشخاص بمختلف فئاتها باقتناء وتركيب محددات للسرعة وضبطها وفق الحد الأقصى المسموح به قانوناً، مع بدء تطبيق العقوبات على المخالفين اعتباراً من الأول من يوليو 2026.
ثم انتقلت السلطة إلى مرحلة أكثر صرامة، إذ أصبح ابتداءً من 1 يوليو 2026 منع منح إذن الخروج للحافلات المخصصة للنقل العمومي بين المدن التي لا تتوفر على محدد سرعة مطابق للضوابط الفنية.
وهذا الإجراء يمثل نقلة نوعية؛ لأنه يحول السلامة من توصية إلى شرط لممارسة النشاط.
كما عقد رئيس السلطة اجتماعات مع الفنيين المختصين لمواكبة تنفيذ القرار والتأكد ميدانياً من تركيب محددات السرعة وضبطها وفق المعايير المطلوبة، مع الإشادة بتجاوب شركات النقل وأصحاب الحافلات مع الإجراء.
ثالثاً: مراقبة الحمولة.. حماية الأرواح وحماية الطرق
لم تغفل السلطة جانباً آخر من أسباب المخاطر، وهو الحمولة الزائدة.
فقد وضعت محطات وموازين لمراقبة أوزان الشاحنات، وأعلنت عن إنشاء محطات على مداخل العاصمة وبعض المعابر الحدودية، مع استمرار العمل على توسيع هذه المنظومة.
وتحمل هذه السياسة بعدين متلازمين: حماية المركبات ومستخدمي الطريق من أخطار الحمولة الزائدة، وحماية الشبكة الطرقية من التدهور الذي تسببه الأوزان غير القانونية.
وقد عرض رئيس السلطة هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من منظومة السلامة الطرقية، إلى جانب إجراءات أخرى تتعلق بتنظيم حركة النقل.
رابعاً: تنظيم النقل الليلي
اعتمدت السلطة أيضاً قرار وقف حركة النقل العمومي بعد منتصف الليل، وهو إجراء قدمته ضمن التدابير الهادفة إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالسفر الليلي.
وقد أشار رئيس السلطة إلى أن هذا الإجراء، إلى جانب بقية الإجراءات التنظيمية والتحسيسية، ساهم في تراجع عدد الحوادث منذ اعتماد منظومة السلامة الجديدة.
والأهمية هنا أن تنظيم أوقات السفر لا ينظر إلى السائق باعتباره العامل الوحيد، بل يحاول التعامل مع ظروف القيادة نفسها، خصوصاً في بلد شاسع المسافات، تتطلب فيه الرحلات الطويلة درجات عالية من التركيز والانتباه.
خامساً: القوافل التحسيسية.. السلطة تذهب إلى المواطن بدل انتظاره
خلال 2025 كثفت سلطة تنظيم النقل الطرقي حملاتها التحسيسية، حيث أطلقت في يوليو حملة وطنية تحت شعار «معاً من أجل خريف آمن»، وسخرت فرقاً ميدانية متنقلة مجهزة بوسائل صوتية لبث الرسائل التوعوية بمختلف اللغات الوطنية.
وجابت القوافل مختلف ولايات الوطن، فيما انتشرت فرق أخرى عند منافذ نواكشوط لتوزيع المنشورات والمطويات الإرشادية. كما أعدت السلطة خريطة للمناطق السياحية الأكثر إقبالاً وثبتت لوحات تحذيرية وإرشادية فيها.
وفي مارس 2025 نظمت السلطة يوماً تحسيسياً عبر منافذ ومخارج نواكشوط الأربعة، مع توزيع منشورات وملصقات ومطويات على السائقين والمسافرين، تتضمن رسائل حول احترام إشارات المرور وتخفيف السرعة وإجراءات السلامة.
وفي نوفمبر من العام نفسه أطلقت حملة واسعة أخرى استعملت فيها الملصقات والسيارات المزودة بمكبرات الصوت لبث الرسائل التوعوية باللغات الوطنية، مع توسيع الحملة لتشمل نواكشوط ومدناً داخلية.
سادساً: 2026.. السلامة الطرقية تتحول إلى حملة وطنية مستمرة
لم يتوقف هذا المسار مع نهاية 2025، بل دخل في 2026 مرحلة أكثر اتساعاً.
ففي أغسطس 2026 أطلقت السلطة حملة وطنية تحت شعار:
«أرواحنا أمانة.. السلامة الطرقية مسؤولية الجميع»
وتضمنت الحملة رسائل مباشرة حول احترام السرعة، وإشارات المرور، واستخدام حزام الأمان، والتأكد من وسائل السلامة، والتحذير من السلوكيات التي تهدد حياة الأشخاص وممتلكاتهم.
كما سخرت السلطة فرقاً ميدانية متنقلة مزودة بوسائل صوتية، على أن تجوب مختلف ولايات الوطن، إلى جانب فرق عند مداخل العاصمة لتوزيع المطويات وتقديم النصائح للسائقين.
ولم تقتصر الحملة على العاصمة، بل وصلت إلى المدن الداخلية، ومن بينها كيهيدي ولعيون وغيرها، بما يؤكد أن السلطة تتعامل مع السلامة الطرقية باعتبارها قضية وطنية لا قضية حضرية فقط.
سابعاً: الدين والقانون في خدمة السلامة
ومن اللافت في المقاربة الجديدة أن السلطة لم تحصر خطابها في الجوانب التقنية والقانونية، بل عملت على الاستفادة من الخطاب الديني والأخلاقي.
فقد سبقت الحملة الوطنية في أغسطس 2026 ورشة تحسيسية شارك فيها فقهاء في الشريعة والقانون، بهدف تعزيز الوعي بمخاطر حوادث المرور والمسؤولية المترتبة على مخالفة قواعد السلامة.
وهذه المقاربة مهمة في مجتمع موريتاني؛ لأنها تقدم السلامة الطرقية ليس فقط باعتبارها التزاماً قانونياً، بل باعتبارها كذلك مسؤولية دينية وأخلاقية وحفظاً للنفس البشرية.
ثامناً: الشراكة مع السائقين والناقلين
من عناصر القوة في تجربة السلطة خلال هذه الفترة اعتماد الاتصال المباشر مع المهنيين.
ففي يونيو 2025، وخلال زيارة رئيس السلطة لولاية كيدي ماغه، عقد اجتماعاً مع الناقلين للاستماع إلى مطالبهم واقتراحاتهم، وشرح الإجراءات التنظيمية وأهدافها.
وخلال اللقاء أكد أن النقل البري يمثل العمود الفقري لحركة الأشخاص والبضائع في البلاد، وأن تنظيمه يتطلب التعاون بين السلطة والمهنيين. كما أشار إلى توجه نحو استخدام التكنولوجيا والأقمار الصناعية لمراقبة حركة النقل البري مستقبلاً.
وهذا يعني أن السلطة لا تريد أن تجعل السائق مجرد طرف يتلقى التعليمات، بل تسعى إلى تحويله إلى شريك في صناعة السلامة.
حصيلة عامين: منطق جديد في إدارة قطاع النقل
إذا أردنا قراءة حصيلة الفترة الأخيرة بعيداً عن المبالغة، فإن أبرز ما تحقق يمكن تلخيصه في انتقال سلطة تنظيم النقل الطرقي من العمل التقليدي إلى منظومة متعددة الأدوات:
جوائز سنوية لأفضل السائقين وشركات النقل.
مكافآت مالية وتحفيزات للملتزمين.
تشديد الرقابة على السرعة.
إدخال محددات السرعة في حافلات النقل العمومي.
منع الحافلات غير المجهزة من الحصول على إذن الخروج.
مراقبة الحمولة عبر الموازين.
تنظيم حركة النقل ليلاً.
حملات وطنية وقوافل تحسيسية.
استعمال وسائل صوتية ورسائل باللغات الوطنية.
توزيع المطويات والملصقات التحذيرية.
تنظيم ورشات بمشاركة الفقهاء والقانونيين.
التواصل المباشر مع الناقلين في الولايات.
العمل على تحديث المحطات وتنظيم وسائل النقل.
التوجه نحو توظيف التكنولوجيا في مراقبة حركة النقل.
وقد أعلنت السلطة في أغسطس 2026 أن الجهود الأخيرة، خصوصاً في مجال الحد من السرعة، حققت نتائج إيجابية، وأكد رئيسها عدم تسجيل حوادث مرورية حتى ذلك الوقت ضمن وسائل النقل العمومي، مع التعبير عن الأمل في الوصول إلى سنة كاملة دون حوادث.
الدكتور الحسن ولد عوان.. إدارة ترى أن الوقاية أفضل من معالجة الكارثة
لا يمكن قراءة هذه الإجراءات بمعزل عن طبيعة الإدارة التي يقودها الدكتور الحسن ولد عوان، والتي تبدو في تصريحاتها ومبادراتها مركزة بصورة واضحة على تحويل السلامة الطرقية إلى أولوية مؤسسية.
فالمقاربة التي تتبناها السلطة تقوم على الجمع بين الحزم والتحفيز: الحزم مع المخالف الذي يهدد حياة الركاب، والتحفيز مع السائق الذي يثبت انضباطه، والتوعية مع المواطن، والحوار مع الناقل، والتنسيق مع القطاعات الأمنية والفنية.
وهذه المعادلة مهمة؛ لأن قطاع النقل لا يمكن إصلاحه بالعقوبة وحدها، كما لا يمكن إصلاحه بالمواعظ وحدها.
إنما الإصلاح الحقيقي هو أن يصبح الالتزام نفسه مصلحة للسائق، وسمعة للشركة، ومطلباً للمسافر، وهدفاً للسلطة.
النجاح الحقيقي.. عندما يصبح الطريق أكثر أماناً
ومع ذلك، فإن تقييم السلامة الطرقية ينبغي أن يبقى قائماً على مؤشرات دقيقة وشفافة: عدد الحوادث، وعدد الوفيات والإصابات، ونسب السرعة، وحجم المخالفات، ومستوى التزام شركات النقل، ومدى سلامة المركبات.
لذلك فإن الخطوة القادمة التي يمكن أن تعزز تجربة السلطة هي نشر تقرير سنوي شامل للسلامة الطرقية يتضمن الأرقام والمؤشرات حسب الولايات والمحاور وأنواع النقل، حتى يستطيع المواطن معرفة أثر الإجراءات بصورة دقيقة.
لكن المؤكد أن ما يجري اليوم يمثل تحولاً مهماً في فلسفة التعامل مع النقل الطرقي في موريتانيا: لم تعد السلامة ملفاً تابعاً للنقل، بل أصبح النقل نفسه مطالباً بأن يعمل وفق منطق السلامة.
وهذا هو الاتجاه الصحيح.
فلا قيمة لطريق جيد إذا كان السائق متهوراً، ولا قيمة لحافلة حديثة إذا كانت السرعة خارجة عن السيطرة، ولا قيمة لخدمة نقل جيدة إذا كانت حياة الراكب مهددة.
فالسلامة الطرقية ليست تفصيلاً في قطاع النقل؛ إنها أساس النقل، وأساس التنمية، وأساس حماية المواطن، وأساس ثقة الناس في مؤسسات الدولة.
ومن هنا يمكن القول إن تجربة سلطة تنظيم النقل الطرقي خلال العامين الأخيرين تقدم نموذجاً جديراً بالتطوير: رقابة أكثر صرامة، توعية أكثر حضوراً، تحفيز أكثر عدلاً، وتكنولوجيا أكثر فاعلية، والغاية واحدة: أن يصل المواطن إلى وجهته سالماً.







