
في النمجاط، حيث تتقاطع الرمزية الدينية مع العمق الاجتماعي والتاريخ الروحي للطريقة القادرية في غرب إفريقيا، جاءت كلمة الإطار المالي الدولي ولي ولد الخليفة أمام بعثة حزب الإنصاف لتلفت الانتباه إلى حقيقة كثيراً ما تُغفلها القراءة السياسية السريعة: أن للمجال الروحي والاجتماعي في هذه المنطقة مرجعياته، وأن احترامها ليس تفصيلاً هامشياً في المشهد.
خرجة ولد الخليفة بدت، في جوهرها، تعبيراً عن وضوح في الموقف وثقة في المرجعية التي يمثلها الخليفة العام الشيخ عبد العزيز ولد الشيخ آياه، بعيداً عن لغة المناورة أو الالتباس. وهي رسالة سياسية واجتماعية مفادها أن الخلافة القادرية ليست مجرد عنوان رمزي، وإنما مؤسسة روحية ذات امتداد عابر للحدود، وحضور متجذر في موريتانيا والسنغال وعموم غرب إفريقيا.
واللافت أن الرجل اختار أن يقول كلمته أمام بعثة حزب الإنصاف، أي في فضاء سياسي بامتياز، ليؤكد أن الدين والمجتمع والسياسة يمكن أن تتقاطع دون أن تختلط الأدوار؛ فالخلافة الروحية لها مكانتها، والعمل السياسي له مجاله، وما يجمعهما هو احترام المجتمع ومرجعياته والحفاظ على السكينة والاستقرار.
وقد سبق أن تناولت مصادر موريتانية الشيخ عبد العزيز ولد الشيخ آياه بوصفه الخليفة العام للطريقة القادرية في غرب إفريقيا، وربطت حضوره الروحي والاجتماعي بقيم السلم والتآخي وخدمة الناس.
ومن هنا يمكن فهم كلمة ولد الخليفة باعتبارها تثبيتاً لمعادلة اجتماعية وروحية أكثر منها اصطفافاً سياسياً ضيقاً. فالنمجاط لا تحتاج إلى رفع الصوت كي تؤكد مكانتها، ولا تحتاج إلى الدخول في صراعات جانبية؛ يكفيها أن تحافظ على دورها التاريخي كحاضنة للعلم والتصوف والكرم، وأن تلتف حول مرجعيتها بما يحفظ وحدة الطريقة ويصون مقامها.
والأهم أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى خطاب هادئ يقطع الطريق أمام تحويل المرجعيات الدينية إلى مادة للتجاذب السياسي. فالخلافة العامة للطريقة القادرية، بقيادة الشيخ عبد العزيز ولد الشيخ آياه، تستطيع أن تكون عنواناً للوحدة والاعتدال والتسامح، لا ساحة جديدة للاستقطاب.
لذلك فإن خرجة ولي ولد الخليفة تستحق أن تُقرأ بعين أوسع: لقد كان يتحدث من النمجاط، لكنه كان يعبّر عن تصور يرى في المرجعية الروحية قوة اجتماعية ينبغي احترامها، وفي الخلافة القادرية إرثاً لا ينبغي أن تختزله الحسابات السياسية العابرة.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات السياسية بسرعة، تبقى المرجعيات التي بنت حضورها على العلم والكرم وخدمة الناس أكثر قدرة على الاستمرار. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو رسالة ولد الخليفة واضحة: **النمجاط لها مرجعيتها، والخلافة لها مقامها، والسياسة ينبغي أن تعرف حدودها.**




