
في زمنٍ أصبحت فيه السياسة عند كثيرين فنَّ الاصطفاف، تبدو تجربة الأمين العام لوزارة المالية السيد : جالو مامدو و المديرة العامة للمكتب الوطني للسياحة السيدة هاوا أبوموسي في كوركول مختلفة؛ فالرجل والمرأة اللذان دخلا المعترك السياسي حديثاً نسبياً، استطاعا أن يلفتا الانتباه من بوابة أكثر صعوبة: بوابة التوافق وبناء الجسور بين مكونات مجتمع شديد التنوع.
ليست المسألة هنا مجرد أسماء صاعدة في الإدارة والسياسة، ولا مجرد مسؤولين يتقلدون مناصب سامية، وإنما يتعلق الأمر بنموذج بدأ يفرض نفسه في ولاية تحتاج، أكثر من غيرها، إلى شخصيات تستطيع مخاطبة الجميع دون أن تفقد خصوصيتها أو تتحول إلى ممثل لمكوّن دون آخر.
جالو مامدو عبد الله .. رجل المساحات المشتركة
الأمين العام لوزارة المالية، ، استطاع خلال فترة وجيزة أن يبني لنفسه حضوراً يتجاوز حدود الوظيفة.
الرجل يبدو في المشهد الكوركولي (كيهيدي ) شخصية توافقية، قادرة على فتح قنوات التواصل مع شرائح اجتماعية متعددة، عرباً وفلاناً، وعرباً سُمراً وبيظاناً، بما جعله في نظر كثيرين إحدى الشخصيات التي يمكن أن تلتقي عندها أطراف مختلفة.
وهذه قيمة سياسية لا تُكتسب بالمنصب وحده.
فالمناصب تمنح صاحبها موقعاً، لكنها لا تمنحه بالضرورة قبولاً اجتماعياً. ، فيبدو أنه استفاد من شخصيته الهادئة وشبكة علاقاته وقدرته على التواصل ليحول حضوره الإداري إلى رصيد في المجال العام.
وهو، إلى جانب ذلك، من الداعمين لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وبرنامجه السياسي، لكن اللافت في حضوره أن دعمه لا يبدو قائماً على خطاب إقصائي أو صدامي، بل على محاولة توسيع دائرة المؤيدين للمشروع الوطني.
هاوا أبو موسي .. خروج من القالب
هاوا أبوموسي : المديرة العامة للمكتب الوطني للسياحة، فقد اختارت أن تدخل المشهد من باب آخر.
إطارة شابة قادمة من بيئة علمية عريقة، استطاعت أن تفرض حضورها في الإدارة والسياسة، وأن تقدم نفسها بخطاب عربي قوي وسليم، في رسالة واضحة مفادها أن الانتماء الثقافي لا ينبغي أن يكون حاجزاً أمام الانفتاح على الفضاء الوطني الأوسع.
وهنا تكمن أهمية تجربتها.
فهاوا لم تتعامل مع العربية باعتبارها لغة تخص فئة بعينها، وإنما قدمتها باعتبارها لغة الدولة الرسمية التي نص عليها الدستور، مع الحفاظ على مكانة اللغات الوطنية الأخرى واحترام التنوع الثقافي الذي يشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الموريتانية.
وكان صعودها إلى مواقع قيادية داخل الحزب الحاكم، ثم تكليفها بمهام وطنية، وصولاً إلى حضورها اللافت في فعالية «وطني وجهتي»، مؤشرات على أن تجربتها لم تعد مجرد تجربة إدارية عابرة.
وقد كان خطابها أمام السيدة الأولى محطة كاشفة؛ ليس فقط لجودة أدائها اللغوي، وإنما لأن الرسالة التي حملها الخطاب تجاوزت حدود المناسبة، ووصلت إلى قطاعات واسعة من المجتمع، بما فيها أوساط من مكونها الاجتماعي.
السياسة حين تتجاوز الجغرافيا والمكوّن
المثير في تجربة الثنائي أن كلاً منهما يتحرك في مساحة أوسع من المساحة التي قد يتوقعها البعض منه.
جالو مامدو لا يقدم نفسه باعتباره ممثلاً لشريحة، وهاوا جالو لا تحصر خطابها في محيطها الاجتماعي.
وهذا بالضبط ما تحتاجه السياسة الموريتانية اليوم: أطر تنتمي إلى مكوناتها، لكنها لا تُختزل فيها؛ وتعتز بثقافاتها، لكنها لا تجعل منها جدراناً تفصلها عن بقية الوطن.
فالدولة الحديثة لا تحتاج سياسيين يجيدون مخاطبة جمهورهم فقط، وإنما تحتاج رجالاً ونساء قادرين على مخاطبة الوطن كله.
ثنائي صاعد.. ورسالة إلى المشهد
قد تكون تجربة جالو مامدو وهاوا جالو في بدايتها، لكن سرعة حضورهما تكشف شيئاً مهماً: أن الساحة السياسية لم تعد حكراً على الوجوه التقليدية، وأن الكفاءة والحضور والقدرة على التواصل يمكن أن تفتح الطريق أمام جيل جديد.
وفي كوركول تحديداً، قد يصبح هذا الثنائي عنواناً لمسار سياسي جديد، قوامه التوافق بدل الاستقطاب، والحوار بدل القطيعة، والوطنية الجامعة بدل الانغلاق داخل العناوين الضيقة.
فإذا كان جالو مامدو قد نجح في أن يكون نقطة تلاقٍ اجتماعي وسياسي، فإن هاوا جالو نجحت في تقديم صورة مختلفة للإطار الشابة القادرة على الجمع بين الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية، وبين الالتزام بالدستور والانفتاح على جميع مكونات المجتمع.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
فالقوة السياسية الحقيقية ليست دائماً في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الشعارات، وإنما في القدرة على جعل المختلفين يجدون مساحة مشتركة للالتقاء.
وفي كوركول، يبدو أن جالو مامدو وهاوا جالو بدآ يحجزان تلك المساحة.
نوح محمد محمود .




