
بما أننا الآن مقبلون على حوار سياسي شامل، قد يكون مناسبة حقيقية للإنصات إلى مختلف الآراء والتصورات حول مستقبل بلدنا، وبما أن مثل هذا الحوار إذا ما تحقق، سيمثل فرصة لكل مهتم بالشأن العام لكي يقدم رأيه ورؤيته، ويساهم في وضع لبنة جديدة في بناء وطننا الغالي، فإنني أرى وأعتقد أن من بين أهم الأولويات التي ينبغي أن تحظى بنقاش جاد ومسؤول اليوم، الوضعية غير الاستراتيجية التي نتجه إليها بفعل المركزية المتزايدة لكل شيء تقريباً في العاصمة نواكشوط.
فالمسألة في تقديري لم تعد مجرد قضية تتعلق بتوزيع المشاريع أو الخدمات بين العاصمة والمدن الداخلية، وإنما أصبحت تحدياً استراتيجياً يمس الأمن القومي والوحدة الوطنية ومستقبل التنمية في موريتانيا.
إن تركيز أغلب الإدارات والخدمات والفرص الاقتصادية والتعليمية والصحية في نواكشوط يشبه، في مخاطره المستقبلية وضع البيض في سلة واحدة، فالعاصمة مهما اتسعت إمكاناتها لا يمكنها أن تستوعب إلى ما لا نهاية هذا الضغط السكاني والاقتصادي والخدمي المتزايد دون أن ينعكس ذلك على جودة الخدمات، وعلى البنية التحتية وعلى مستوى المعيشة وعلى قدرة الدولة نفسها على توفير احتياجات المواطنين.
وفي المقابل فإن استمرار هذه المركزية يدفع سكان المدن الداخلية وخاصة الشباب والأسر الباحثة عن التعليم والعمل والعلاج والخدمات إلى الهجرة التدريجية نحو العاصمة، حتى أصبح المواطن في بعض المناطق يشعر أن مستقبله ومستقبل أبنائه لا يمكن أن يتحقق إلا في نواكشوط، وهنا تكمن الخطورة الأعمق.
فإذا استمرت هذه الهجرة الداخلية بهذا الشكل فإننا لا نخسر فقط سكان مدننا الداخلية، وإنما نخسر معها الدورة الاقتصادية والاجتماعية والإنتاجية التي كانت تقوم عليها تلك المدن والمناطق، فأسر كانت تعيش في الداخل وتمارس الزراعة أو التنمية الحيوانية أو التجارة أو غيرها من الأنشطة المنتجة عندما تنتقل إلى نواكشوط بحثاً عن التعليم أو العلاج أو الوظيفة أو الخدمات الأخرى، قد تتحول تدريجياً من أسر منتجة إلى أسر مستهلكة تعتمد على شراء معظم احتياجاتها من خارج محيطها، بينما تفقد المنطقة التي غادرتها اليد العاملة ورأس المال البشري والنشاط الاقتصادي، وبذلك نكون أمام مفارقة خطيرة: العاصمة تزداد ازدحاماً وضغطاً، والمدن الداخلية تزداد فراغاً وضعفاً؛ فتتراجع قدرتها على الإنتاج والاستثمار، ثم تتراجع الخدمات فيها بسبب ضعف الطلب والنشاط، فيزداد الإقبال على العاصمة، وهكذا ندخل في حلقة مفرغة يصعب كسرها كلما طال أمدها.
ولذلك فإن اللامركزية والتنمية المحلية لا ينبغي أن ينظر إليهما باعتبارهما مجرد خيار إداري أو شعار تنموي، بل باعتبارهما جزءاً من منظومة الأمن القومي وبناء الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية، فوجود مدن داخلية قوية، قادرة على توفير التعليم والصحة والإدارة وفرص العمل والاستثمار، ليس ترفاً ولا منافسة لنواكشوط، وإنما هو حماية للعاصمة نفسها من الانفجار السكاني والخدماتي، وحماية للمناطق الداخلية من الإفراغ، وحماية للاقتصاد الوطني من الاختلال، وحماية للمجتمع من المركزية التي قد تغذي التوترات الاجتماعية.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالوحدة الوطنية، فالمتابع لتطور الخطابات العرقية والشرائحية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن بعض مظاهر التمركز الحضري تساعد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تعميق الانقسامات الاجتماعية، حيث تتشكل داخل العاصمة تجمعات ذات طابع شرائحي، تتجلى مظاهره في المدارس والأسواق والعلاقات الاجتماعية، فيصبح التباعد بين مكونات المجتمع أكبر من مساحة الاختلاف الطبيعي بينها.
ومع استمرار هذا الواقع وتزامنه مع الخطابات العنصرية أو التحريضية في بعض المجالس الخاصة ووسائل التواصل الاجتماعي، فإننا قد نجد أنفسنا أمام أجيال أقل اختلاطاً وتفاعلاً من الأجيال السابقة، وهو أمر ينبغي أن يثير قلقنا جميعاً، فالوحدة الوطنية لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا بالمهرجانات والخطابات فقط؛ وإنما تحتاج أيضاً إلى مجتمع مختلط ومتفاعل ومدن حية، ومصالح اقتصادية مشتركة وخدمات موزعة بعدالة، وفرص متاحة في مختلف أنحاء الوطن.
ولعلنا جميعاً نتذكر بعض الأحداث المقلقة التي شهدها البلد في السنوات الماضية، ومنها أحداث 2017 وما بعد الانتخابات الرئاسية سنة 2019، وما كشفت عنه من هشاشة ينبغي أن نتعامل معها بمنتهى الجدية والحكمة، لا أن ننتظر حتى تتحول التباينات الاجتماعية إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وإذا نظرنا إلى بعض التجارب الدولية، فإننا نجد دروساً جديرة بالتأمل، فالتجربة اللبنانية على سبيل المثال تُظهر كيف يمكن لترسيخ الانقسامات المجتمعية داخل نظام سياسي يقوم على المحاصصة أن يحول التنوع الطبيعي إلى مصدر دائم للتوتر، دون أن يحقق بالضرورة التنمية والاستقرار المطلوبين، وفي المقابل فإن تجربة المغرب في مجال التنمية المحلية والجهوية تقدم مثالاً مهماً على أن توزيع التنمية والاستثمار خارج المركز يمكن أن يكون أداة لتعزيز الاستقرار والوحدة وتحقيق التنمية، حتى في ظل محدودية الموارد الطبيعية مقارنة بدول أخرى.
ومن هنا فإن التساؤل الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس كيف نجعل نواكشوط أفضل، بل كيف نجعل موريتانيا كلها أفضل، بحيث لا يضطر المواطن إلى مغادرة مدينته وقريته بحثاً عن أبسط حقوقه؟
إن المطلوب ليس إضعاف نواكشوط ولا الحد من دورها الوطني، وإنما تخفيف الضغط عنها، وجعلها عاصمة قوية ضمن منظومة وطنية متوازنة، لا مركزاً يختزل الدولة كلها.
لذلك نحن بحاجة إلى سياسة وطنية واضحة لإعادة توزيع الوظائف الاقتصادية والإدارية والخدمية، وتشجيع الاستثمار في المدن الداخلية، وتقوية التعليم والصحة والإدارة فيها، وربطها بشبكات النقل والأسواق، ومنحها صلاحيات وموارد حقيقية، بحيث يصبح البقاء فيها خياراً ممكناً ومجدياً، لا إقامة مؤقتة في انتظار الهجرة إلى العاصمة نواكشوط، فموريتانيا ليست نواكشوط وحدها، ونواكشوط لا يمكن أن تحمل وحدها مستقبل موريتانيا.
إن بقاء مدننا الداخلية حية ومنتجة يمثل مصلحة استيراتيجية للدولة، وتحصين للوحدة الوطنية والأمن القومي وأخشى أن يأتي يوم نكتشف فيه أن مشكلتنا لم تعد أن نواكشوط كبيرة، وإنما أن موريتانيا أصبحت صغيرة داخل نواكشوط، ولذلك فإن إعادة الاعتبار للداخل ليس مجرد قضية تنموية، بل هو مشروع وطني متكامل، لتوزيع السكان وتنويع الاقتصاد، وحماية الأمن القومي، وترسيخ الوحدة الوطنية، وبناء دولة المواطنة على كامل التراب الوطني.
أحمدو ولد محمد فال ولد أبيه
مستشار جهوي بولاية الحوض الغربي




