عبد الرحمن نوح يكتب : علي الشرفاء الحمادي.. حين يصبح التكريم وفاءً لمشروع الصحوة

اثنين, 09/14/2026 - 10:42

ليس كل درعٍ يُمنح تكريماً، ولا كل تكريمٍ يصنع قيمةً لصاحبه. أحياناً يكون الدرع مجرد شاهدٍ متأخر على قيمةٍ صنعتها سنوات من العطاء، وعلى رجلٍ اختار أن يهب فكره وماله ووقته لقضية أكبر من ذاته.
من هنا تأتي دلالة تكريم المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي بدرع الوفاء والتقدير من الاتحاد العالمي للمواطن المصري بالخارج؛ فهو تكريم لا ينبغي أن يُقرأ في حدود المناسبة، وإنما في سياق مشروع فكري وإنساني جعل من الإنسان محوراً، ومن السلام رسالة، ومن القرآن الكريم منطلقاً لإعادة النظر في واقع أمةٍ أنهكها الانقسام، وأثقلها الصراع، وأبعدتها قرون من القراءات المتراكمة عن جوهر الرسالة القرآنية ومقاصدها الكبرى.
لقد اختار الشرفاء الحمادي طريقاً شاقاً: طريق مراجعة المسلمات، واستعادة العقل، والدعوة إلى قراءة القرآن قراءةً تعيد للدين مقاصده الإنسانية والأخلاقية.
وهو لا يتعامل مع أزمة الأمة باعتبارها أزمة موارد أو إمكانات، فالأمة تملك من الطاقات ما يكفي للنهوض، وإنما يرى أن أعمق أزماتها أزمة وعي؛ حين ابتعدت عن القرآن بوصفه مشروع هداية وعدل ورحمة، وتحول الدين في بعض مساحات الخطاب إلى ساحة للصراع والتنازع، بينما غابت القيم التي تجعل من الإنسان غايةً في التكريم والمسؤولية.
وهنا تحديداً تتضح خصوصية الرجل.
فهو لا يدعو إلى صحوةٍ تعيد إنتاج الماضي، بل إلى صحوة تنويرية تستعيد روح الرسالة وتخاطب إنسان القرن الحادي والعشرين. صحوةٌ لا تخاف السؤال، ولا تعتبر التفكير خروجاً على الدين، ولا تجعل الاختلاف مبرراً للكراهية، بل ترى في القرآن مساحةً واسعة للرحمة والعدل والتعارف وإعمار الأرض.
ولذلك فإن إطلاق وصف «رائد الصحوة التنويرية في القرن الحادي والعشرين» على الشرفاء الحمادي ينبغي أن يُفهم من هذه الزاوية: إنه وصف لمشروع يريد أن ينقل النقاش من صراع الأشخاص والمذاهب والاتجاهات إلى سؤال أكبر: كيف تستعيد الأمة قدرتها على صناعة المستقبل؟
لقد دفع الرجل من ماله ووقته في سبيل هذا المشروع، وهي تضحية لا يفعلها عادةً من يبحث عن مجد شخصي أو مكسب عابر. فهناك فرق هائل بين من يكتب عن قضايا الأمة، ومن يجعل من قضاياها مشروع عمر.
ومن هنا يصبح درع الوفاء رمزاً لمعنى أعمق: الوفاء لفكرةٍ لم تُولد من رغبة في التصفيق، وإنما من قلقٍ على مستقبل أمة، ومن إيمان بأن إصلاح الإنسان هو الطريق الأقصر لإصلاح المجتمع.
والأهم أن مشروعه لا يتوقف عند حدود العالم العربي أو الإسلامي، لأن السلام الذي يدعو إليه ليس شعاراً سياسياً موسمياً؛ إنه ثمرة لرؤية ترى أن الإنسان قبل انتمائه، وأن الاختلاف سنة كونية، وأن الأديان لا ينبغي أن تكون وقوداً للخصومة، وأن القرآن حين يُقرأ بعيداً عن التعصب يمكن أن يكون جسراً بين البشر لا جداراً بينهم.
لقد آن للأمة أن تسأل نفسها بصراحة: ماذا فعلنا بالرسالة التي نزلت لتخرج الإنسان من الظلمات إلى النور؟ ولماذا أصبح بعضنا أسرى لصراعات لا تنتهي، بينما تتراجع قيم العلم والعدل والرحمة والعمران؟
هذه الأسئلة هي جوهر المعركة التي يخوضها الشرفاء الحمادي؛ معركة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف الجمود، ولا تحارب الدين، بل تحاول تخليص صورته من كل ما علق بها من توظيف بشري أضر بالإنسان وبصورة الإسلام معاً.
ومن هنا، فإن تكريمه اليوم ليس احتفاءً بمفكر فحسب، بل احتفاء بفكرة تقول إن الأمة تستطيع أن تنهض حين تستعيد عقلها، وتعيد اكتشاف قرآنها، وتضع الإنسان في قلب مشروعها الحضاري.
فدرع الوفاء الذي وصل إلى مكتبه في أبوظبي قد يكون صغيراً في حجمه، لكنه كبير في دلالته؛ لأنه يقول لرجل اختار أن ينفق عمره في معركة الوعي:
إن ما تزرعه في العقول لا تضيع ثماره، وإن الفكرة الصادقة قد تتأخر في الوصول، لكنها لا تموت.
وعلي الشرفاء الحمادي، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى درع كي تثبت قيمته؛ لكن الدرع يحتاج إلى رجلٍ بحجم مشروعه حتى يكتسب معناه.
ذلك هو التكريم الحقيقي: أن يُكرَّم الإنسان لأنه جعل من فكره أمانة، ومن ماله وسيلة، ومن وقته تضحية، ومن القرآن طريقاً إلى السلام، ومن قضايا الأمة قضية عمر.