
في زمن التحولات الكبرى، حيث تخوض موريتانيا معركة البناء والسيادة والتنمية في محيط إقليمي مضطرب، يطل علينا من وراء البحار طيف غريب، يلبس لباس المعارضة، ويتخذ من المنافي البعيدة منابر، ومن التدوينات المسمومة والبثوث المباشرة المحمومة سلاحا يوجهه لا إلى نظام، بل إلى وطن بأكمله.
إننا لا نناقش حق أحد في أن يعارض، فالمعارضة منها ماهو صمام أمان الديمقراطية، وتاجها الذي نفخر به. إنما نناقش انحراف المعارضة عن معناها النبيل، حين تتحول إلى سلاح هدم، وحين يستبدل النقد المسؤول بالحقد المرسل، والبرنامج البديل بالصراخ على الهواء.
أولا: التدوينة.. حين يصبح الحرف خنجرا
لقد تحولت التدوينة عند هؤلاء من أداة تنوير إلى أداة تزييف.
يكتبون عن وطن لم يمشوا في أسواقه منذ عقدين، عن شعب لم يشاركوه فرحا ولا ترحا، عن إدارة لم يدخلوا دهاليزها، وعن اقتصاد لا يفقهون أرقامه.
تدويناتهم لا تقرأ الواقع، بل تخترعه. تختار أسوأ صورة، وأنقص رقم، وأكذب إشاعة، ثم تنسج منها رواية سوداوية، غايتها أن تقنعك أن لا شيء تحقق، وأن لا أمل يلوح، وأن هذا البلد محكوم عليه بالفشل.
إنها ليست جهلا فحسب، بل هي جهل مركب يخدم خبثا مقصودا. جهل يجعلهم لا يميزون بين اختلال يسير يمكن إصلاحه، وبين منظومة كاملة يراد إسقاطها.
ثانيا: البث المباشر.. مسرحية التحريض الرخيص
وإذا كانت التدوينة هي سلاح الجبناء في الظلام، فإن البث المباشر هو مسرحهم المكشوف.
يظهر أحدهم، في ساعة متأخرة من ليل نواكشوط، من غرفة مضاءة جيدا في إحدى العواصم الغربية، يرفع صوته، ويحمر وجهه، ويبدأ في وصلة من السباب والتحريض لا تنتهي. يهاجم النظام، نعم، لكنه سرعان ما يهاجم الدولة، ثم يهاجم المجتمع، ثم يزرع الفتنة بين أبناء الشعب الواحد،
وهو في كل ذلك، آمن في سربه، بعيد عن تبعات كلامه. إنه يمارس بطولة وهمية، يرسل أبناء الآخرين إلى المحرقة، ثم يطالبهم بأن يصوروا له المشهد ليتاجر به في بثه القادم، ليجمع به مزيدا من المشاهدات، ومزيدا من اليورو والدولار عبر روابط التبرع.
أيها الإخوة،
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يقدم بديلا. اسألوهم: ما هو مشروعكم؟ لا جواب. ما هي رؤيتكم للتعليم؟ للصحة؟ للوحدة الوطنية؟ صمت مطبق. لا مشروع سوى الهدم. لا برنامج سوى "اسقاط". ومن لا يملك مشروع بناء، لا يحق له أن يدعو إلى هدم.
نحن ندرك أن هناك معارضة وطنية شريفة في الداخل، تعارضنا بصدق، نختلف معها ونتفق، نتحاور معها تحت سقف الوطن، لأنها تشاركنا الهم والمصير. أما هؤلاء، فقد اختاروا أن يكونوا غرباء حتى عن هموم المهجر نفسه، فلا هم اندمجوا حيث هم، ولا هم نفعوا وطنهم من حيث هم.
والمبشر في الأمر، أن المواطن بدا يدرك بل كشف الاعيب هؤلاء، حتى تجاوزهم. المواطن الموريتاني الأصيل اليوم يمر على تدويناتهم مرور الكرام، ويدخل بثهم المباشر ليرى حجم الإفلاس، ثم يخرج أكثر تمسكا بوطنه، وأكثر إيمانا بأن هذا البلد، رغم كل التحديات، ماض في طريقه، بقيادته وبجيشه وبشعبه، نحو بر الأمان.
فلا تصغوا لمن يريد أن يبني مجده على أنقاض وطنكم.
إن الوطن لا يبنيه من هجره، بل يبنيه من صبر عليه وآمن به
محمد فال اياهي
رئيس حزب الاتحاد من أجل التخطيط للبناء




