
ليس من السهل أن نتناول شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من زاوية واحدة؛ فالرجل الذي غيّر مسار التاريخ لم يكن مجرد شخصية دينية في سياقها الزمني، وإنما حمل رسالة تجاوزت حدود المكان والزمان، وخاطبت الإنسان في جوهره: كرامته، وحريته، ومسؤوليته، وعلاقته بأخيه الإنسان وبالمجتمع وبالحياة.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي «رسول الإنسانية»، الذي يحاول إعادة النظر في الصورة الإنسانية للرسالة المحمدية، بعيدًا عن القراءات التي تختزل الإسلام في الصراع أو الاختلاف أو الانقسام. فالرسالة، وفق هذا المنظور، جاءت لتفتح للإنسان طريقًا نحو الرحمة والعدل والإصلاح، لا لتجعله أسيرًا للكراهية أو التعصب.
إن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «رسول الإنسانية» لا يعني إلغاء خصوصية الرسالة الإسلامية، ولا تذويب عقيدتها في مفهوم إنساني عام، وإنما يعني إبراز بعدها الذي يخاطب الإنسان بما هو إنسان. فالقرآن نفسه يجعل الرحمة عنوانًا للرسالة: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وهي عبارة تضع الرحمة في قلب العلاقة بين الرسالة والعالم.
ومن هذه الزاوية، يصبح تكريم الإنسان نقطة بداية لا نتيجة ثانوية. فالإنسان لا يفقد كرامته بسبب اختلافه في اللون أو اللغة أو العرق أو الانتماء الاجتماعي، كما أن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للعداء. بل إن التعارف، والعدل، والتعاون، والإحسان، هي القيم التي تسمح للتنوع بأن يتحول من مصدر للصراع إلى مصدر للتكامل.
وهنا تبرز إحدى أهم الأفكار التي يمكن استخلاصها من طرح الشرفاء الحمادي: المشكلة ليست في الإسلام بوصفه رسالة، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يُساء بها فهم الرسالة حين تُحاصرها العصبيات والتوظيفات البشرية. وقد ركز المقال على أن المذهبية والطائفية والقراءات المتشددة أسهمت، في نظره، في حجب جانب الرحمة والعدل والحرية الذي يراه أصيلًا في الخطاب القرآني.
لكن العودة إلى القرآن، في هذا التصور، ليست مجرد دعوة إلى ترديد النصوص، وإنما عودة إلى منظومة القيم التي تجعل الإنسان صالحًا للحياة: أن يعدل حين يستطيع الظلم، وأن يرحم حين يستطيع القسوة، وأن يعفو حين يستطيع الانتقام، وأن يحترم الإنسان حتى عندما يختلف معه.
وهذا هو الجانب الأكثر إثارة في فكرة «رسول الإنسانية»: أنها تنقل الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من مجرد الاحتفاء بالسيرة إلى السؤال عن أثرها في سلوكنا اليوم.
فإذا كان الرسول قد جاء رحمة للعالمين، فكيف ينبغي أن يكون المسلم في علاقته بجاره؟
وإذا كانت الرسالة تقوم على العدل، فكيف نقبل الظلم؟
وإذا كان الإنسان مكرمًا، فكيف نسمح بإهانته بسبب فقره أو أصله أو اختلافه؟
وإذا كان الاختلاف سنة من سنن البشر، فلماذا يتحول إلى خصومة وكراهية؟
هنا تتحول الفكرة من مقال فكري إلى اختبار أخلاقي.
والطرح المعتدل في هذه القضية مهم للغاية؛ لأن استعادة البعد الإنساني للإسلام لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة جديدة مع المسلمين، ولا إلى إدانة شاملة للتراث، ولا إلى احتكار للحقيقة. المطلوب، كما يمكن فهمه من هذا الاتجاه، هو فتح باب التدبر والنقاش، وإعادة الاعتبار للقيم الكبرى التي تجمع ولا تفرق، وتصلح ولا تفسد، وتبني ولا تهدم.
فالرسول صلى الله عليه وسلم، في هذه القراءة، ليس رمزًا لفئة ضد فئة، ولا لطائفة ضد طائفة، وإنما نموذج أخلاقي ورسالة رحمة تتوجه إلى الإنسان حيثما كان.
ومن هنا فإن أعظم احتفاء بالرسول ليس في كثرة الحديث عنه فحسب، وإنما في أن يصبح حضوره ظاهرًا في أخلاقنا: في صدقنا، وعدلنا، ورحمتنا، واحترامنا للآخر، ورفضنا للظلم، وحفظنا لكرامة الإنسان.
إن «رسول الإنسانية» ليست مجرد تسمية، بل دعوة إلى استعادة المعنى الإنساني للرسالة؛ إلى إسلامٍ يُعرَف بالرحمة قبل الخصومة، وبالعدل قبل الإدانة، وبالإحسان قبل الحكم على الآخرين.
وفي عالم أنهكته الحروب والانقسامات والكراهية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: من يملك الحقيقة؟ وإنما: كيف نستعيد الإنسان الذي جاءت الرسالة من أجل هدايته وإصلاح حياته؟
وهنا تحديدًا تكمن قوة الطرح الهادئ للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي: إعادة الإنسان إلى مركز النقاش، وإعادة الرحمة إلى مركز الرسالة، وإعادة القرآن إلى مساحة التدبر لا إلى ساحة الصراع.




